السياق عند الأصوليين المصطلح والمفهوم:
د. فاطمة بوسلامة
باحثة في الدراسات الإسلامية
قد نظن لأول وهلة أننا بصدد البحث عن مفهوم لا يوجد إلا مقدرا في أذهاننا، أو أننا لسبب من الأسباب نسعى لأن نحمل الفكر الأصولي فوق ما يحتمله، فننسب له مجهودا ليس من صنعه وإنجازه.
ولكن سرعان ما يتبدد هذا الظن عندما تطالعنا شواهد صريحة لا تدع مجالا للشك في أننا بصدد البحث عن أحد أبرز أدوات الاستدلال الأصولي التي لها أهميتها البالغة في مجال الكشف عن مراد الله تعالى.
وأول ما يطالعنا من ذلك ما عنون به الشافعي، رحمه الله، بابا من أبواب رسالته الأصولية إذ قال:"باب الصنف الذي يبين سياقه معناه" [1] وأيا كان المقصود عنده من السياق هنا، وهو ما سيأتي الحديث عنه، فإن لهذه العبارة دلالتها في هذا المقام.
وناقش الإمام الزركشي حجية دلالة السياق، وذلك في مسألة خاصة بعنوان"دلالة السياق" [2] ضمن باب الأدلة المختلف فيها، وقال عن هذه الدلالة:"نكرها بعضهم ومن جهل شيئا أنكره، وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى" [3] ، كما عقد مسألة أخرى تساءل فيها"هل يترك العموم لأجل السياق" [4] .
وبحث الإمام الشوكاني أيضا في المسألة الثامنة والعشرين عن إمكان التخصيص بالسياق ناقلا رأي الأئمة: الشافعي والصيرفي (توفي 330 هـ) وتقي الدين بن دقيق العيد (توفي 702 هـ) وعنون المسألة ب"في التخصيص بالسياق" [5] .
أما ما ورد من نصوص صريحة في الحديث عن السياق، فيكاد يتفق على أسلوب واحد في التعبير عن وظيفة السياق في بيان المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات:
نقل الإمام الزركشي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام (توفي 660 هـ) قوله:"السياق يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال، فكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذما وإن كانت مدحا بالوضع كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان: 46) " [6] .
وقال الشيخ ابن دقيق العيد:"أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات ..." [7] .
ونقل عنه الإمام الزركشي قوله ضمن استدلاله على بعض مجالات التخصيص بالسياق:"... لأن السياق مبين للمجملات مرجح لبعض المحتملات ومؤكد للواضحات ... فليتنبه لهذا ولا يغلط فيه ويجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن لأن بذلك يتبين مقصود الكلام" [8] .
وصرح الشيخ ابن دقيق العيد في موضع آخر بأن دلالة السياق"لا يقام عليها دليل" [9] وفهم تأثيرها على النصوص الشرعية يعد قاعدة من قواعد أصول الفقه، ولكن قل من تكلم عنها وأعطاها حقها من الدراسة، قال:"فإن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها وتقرير قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم وهي قاعدة متعينة على الناظر ذات شعب على المناظر" [10] .
ولعل هذا النص يعبر بوضوح عن القصور الحاصل في دراسة السياق عند الأصوليين وعدم إفراده بالعناية اللازمة به باعتباره وسيلة لا يستغنى عنها في الإرشاد إلى مقصود الشارع.