وإنما الذي ذكر العلماء أنه يختص بالقاضي [1] ولا يشاركه فيه غيره (هو إقامة الحدود من استباحة الدم والمال ونحو ذلك لأن إسناد ذلك إلى آحاد الناس يؤدى إلى الفوضى واستباحة الدماء والأموال بمجرد التهمة) [2]
والآن نبدأ بسرد الأدلة على صحة ما قلناه من فساد تلك القاعدة ومخالفتها للنص الشرعي:
1 -قال الله تعالى حاكيا عن المؤمنين تكفيرهم للكافرين:
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (53 ) )
ومعلوم أن من حكم على أحد بحبوط العمل فقد حكم عليه بالردة؛ لأن حبوط العمل بالكلية لا يكون إلا بالكفر قال الله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ويقول تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} .
2 -جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله (ج 5/ 46) :
1578 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) [رواه البخاري (1367) ] .
(1) القاضي الذي أعنيه هنا هو القاضي الذي يحكم بالشرع لا الذين يحكمون بشرع الطاغوت فإن أولئك ليسوا مسلمين ولا كرامة.
(2) على أن هناك من أهل العلم من يري جواز إقامة الحدود لأفراد الناس إذا أمنت الفتنة.