الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب:70 - 71] .
اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وبعد؛
من المعروف أن يوسف عليه السلام، ابتلي بالافتراء عليه، إلا إن هذا الافتراء امتد مع الأيام فقد وجد في عصرنا أيضا من يتهمه فان كانت تهمة امرأة العزيز انه أراد بها سوءا فان مفتري العصر قد اتهموه في نبوته! فالمفترون على يوسف عليه السلام جهتان:
· امرأة العزيز.
· والإخوان المسلمون.
والفرق بينهما أن امرأة العزيز اتهمته في ذاته وهؤلاء اتهموه في نبوته وفي منهاجه النبوي!
فإذا تجاوزنا أمر امرأة العزيز، لان الله تعالى قد نبأنا من أخبارها ما فيه حسبنا فان تجاوز أمر الفئة التي تريد إسلاما مسالما يعايش الباطل ويشاركه ويحرص على رضاه يهمنا أن نبسط القول معهم لنقف على جلي أمرهم.
فأقول مستعينا بالله تعالى:
إن جماعة الأخوان المسلمين يعملون وفق منهاج وضع لهم لا يتجاوزونه، أينما وجدوا فإنهم محصورون داخل خطوط عريضة لا يتجاوزونها، ومن خطوطهم العريضة أن تكون الدولة التي يعيشون على أرضها ديموقراطية، لان مثل هذه الأنظمة هي المتنفس الوحيد لإثبات انتسابهم إلى الإسلام وتراودهم الأحلام أن يقيموا دولة الإسلام من خلال ذلك النظام، ونتيجة اختلاطهم بالباطل وامتزاجهم معهم فقد غابت عنهم كثيرا من معالم هذا الدين الحنيف وجهلوا سنة الله تعالى في إحقاق الحق وفي إزاحة الباطل فسقط من حسابهم أن دولة الإسلام لا تقوم إلا بإزاحة الباطل، ولا يتم إزاحة الباطل إلا بالقوة. وهم أناس بعد أن فقدوها نسوها واعتادوا على حياة الترف المصبوغ بالصبغة الإسلامية.
فهم أصحاب الأموال الطائلة أينما وجدوا وهم أصحاب القصور الفارهة وهم أصحاب دور النشر التي تملا الأسواق بالترف الفكري وبالفتاوى الضالة المضلة، على سبيل المثال؛
· إذا أردت أن تأكل الربا وأنت مطمئن البال حله.
· وإذا أردت أن يجلب عليك الشيطان بصوته فتترنم مع أصوات المغنيين والمغنيات.
· وإذا أردت أن تجتمع بأخواتك المؤمنات في الحفلات - وما أكثرها عند القوم - عسى أن تقع عينك على من ستحضى بها زوجة.
فعليك بعلم القوم وعلمائهم فان في دينهم من السعة لأهل الباطل ما لا تجده في دين الله تعالى ... نعوذ بالله من الضلال.
أقول: وبما أن القوم ينتسبون إلى الإسلام وقد ضلوا الطريق الذي يؤدي إلى إقامة دولة الإسلام، لأنه طريق باهظ الثمن، يلزمهم التخلي عما اعتادوا عليها من الميوعة والنعومة، فما كان لهم من مندوحة غير أن يلجؤوا إلى طريق يحافظ عليهم حياتهم الناعمة ولا تكلفهم من المشاق شيئا ليحاولوا من خلاله إقامة أجزاء من الإسلام المزعوم فيما إذا نالت محاولتهم تلك رضا من يجالسونهم في البرلمان من ممثلي غير المسلمين ومن ممثلي الأحزاب العلمانية.
وإذا قيل لهم في ذلك وسئلوا عن مستندهم من الشرع بادروا بالقول ودون تلكؤ: أما كان يوسف عليه السلام يعمل في حكومة كافرة؟ أليس هذا ثابت في القران؟ إذا يجوز لنا أن نكون أعضاء في حكومة كافرة!
وهذا ديدنهم ووجه استدلالهم بهذا الحدث إنما هو القياس إلا أن الاستدلال بالقياس حتى يكون صحيحا فيجب أن يكون هناك توافقا بين المقيس والمقيس عليه.
فهل الوجود في البرلمان مثل وجود يوسف عليه السلام عند حاكم مصر حتى يقاس عليه؟
إن دراسة الأمر بدقة تثبت عدم المشابهة وعدم المماثلة.
واليك البيان بفضل الله تعالى:
1)إن يوسف عليه السلام استدعي من قبل الملك وهو لم يسع إلى الملك، قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} [يوسف: من الآية 54] .
بينما أعضاء البرلمان هم الذين يسعون إلى الحكام ليكونوا أعضاء في حكومتهم المرتدة وهذا فارق جلي لا يخفى على من أنار الله تعالى بصره وبصيرته فدعك من أهل الغشاوة.
2)إن الملك لم يستدعه ليجعله من خواصه إلا بعد أن تبين له علمه وظهرت له نزاهته باعتراف نسوة المدينة فالذي دعا الملك إلى استقدام يوسف عليه السلام: العلم والنزاهة.
أما أعضاء البرلمان فلا يشترط فيهم شيئا من ذلك إنما المقياس الوحيد لصلاحيته للعمل عند الطواغيت عدد الأصوات التي يكتسبونها وان كان بالغش والتزوير والخداع، فالذي يسوغ الطريق لهؤلاء إلى الحكم عدد الأصوات وليس غيرها فلو اتفق الفساق في البلد على ترشيح أفسقهم لكن لهم ذلك وسيفوز مرشحهم! وهذا فارق جلي ثاني لا يخفى لمن أنار الله تعالى بصره وبصيرته فدعك من أهل الغشاوة.
3)إن الملك قال ليوسف عليه السلام بعد أن كلمه: {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: من الآية 54] .
يقول القرطبي رحمه الله: (أي متمكن نافذ القول) [ج 9: ص 212] .
وأعضاء البرلمان لا يعطون مثل هذه المنزلة بل أقوالهم وأفعالهم مقيدة بنصوص الدستور الوضعي الكفري الذي يقسمون على احترامه والعمل به والذي يسمى بالقسم الدستوري وهذا فارق جلي ثالث لا يخفى على من أنار الله تعالى بصره وبصيرته فدعك من أهل الغشاوة. إذن عضوية البرلمان شيء وعمل يوسف عليه السلام شيء آخر.
فإذا ثبتت هذه الفوارق، فان الإمام احمد يقول كما ينقل ابن القيم - رحمهما الله: (والقياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، أما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها، فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به أدبرت به فليس في نفسي منه شيء وبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة) [أعلام الموقعين: ج1 / ص269] .
عليه فالقياس غير صحيح.
أحقا كان يوسف عليه السلام عضوا في حكومة كافرة؟
في البداية لا بد من إثبات أن الملك كان طاغوتا، والأدلة على ذلك:
1)قول يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحق ويعقوب} [يوسف: من الآية 37 - 38] .
2)من الثابت أن يوسف عليه السلام عاش حياته بين قومين يدينون بدينين مختلفين، قوم الملك ودينه وقوم أبيه ودينه وقد بين يوسف عليه السلام مواصفات الجماعة الأولى - الملك وقومه - بأنهم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
3)كون أهل مصر وثنيون يعبدون الأصنام: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآبآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} [يوسف:39 - 40] .
أصبحت المعادلة لدينا الآن تتكون من طرفين، طرف يمثله نبي مرسل وطرف يمثله ملك كافر، وقد قال ذلك النبي لذلك الملك الكافر: {قال اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف:55] .
فهل حقا عمل يوسف عليه السلام في حكومة ملك كافر؟ أم كان له الاستقلالية عن الملك في التصرف في الخزائن؟
إن القول أن يوسف عليه السلام كان يعمل في حكومة كافرة مخالفة لمجموعة من النصوص القرآنية:
أولا: إن يوسف عليه السلام وهو في السجن كان يعلم صاحبيه: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: من الآية 40] . واقر الله تعالى هذا العلم النافع وأنزله وحيا في القرآن الكريم.
إن الآية تنص - كما هو واضح - على أن الحكم لله وليس لغيره؛ إذ أن أداة الاستثناء إذا سبقت بنفي فإنها تفيد الحصر أي إن وضع الأحكام من خصوصيات الله تعالى التي لا يشاركه فيها أحد، قال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف: من الآية 26] .
فهل يجوز للنبي أن يخالف هذا الأصل الذي قرره بلسانه وهو مستضعف في السجن، بعد أن مكنه الله تعالى في الأرض؟! أيجوز للنبي أن يقول أن الحكم إلا لله ثم يجعل الحكم لغير الله، بل ويشارك ذلك الغير في حكمه الكفري إن مثل هذا القول لا يقول به إلا زنديق أو صاحب هوى يريد نصر باطله.
إذًا مثل هذا العمل؛ كبير المقت عند الله تعالى إن صدر من الذين آمنوا: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:2 - 3] . فكيف إذا صدر من نبي من رسالته دعوة الناس إلى اجتناب الطاغوت؟
ولنقل جدلا أن يوسف عليه السلام قال: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: من الآية 57] ثم عمل مع رجل جعل الحكم لنفسه، هل يقر الله تعالى ذلك؟ أين العصمة إذن؟
ثانيا: إن الاشتراك في حكم الطاغوت مخالف لدعوة الأنبياء ورسالاتهم قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: من الآية 36] .
نقول للمفترين على يوسف عليه السلام أليس الأنبياء والرسل أمرهم الله تعالى باجتناب الطاغوت ويوسف منهم؟
إن قلت؛ نعم، أقول إذا يجب أن يجتنب الطاغوت، إما أن يكون نبيا ويشترك في حكم طاغوت فان هذه العبارة لا تستقيم مع الآية الكريمة التي حددت مهام الأنبياء جميعا في كل أمة أرسلوا إليها بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت.
فإما أن تنفي عنه النبوة والعصمة، وإما أن تنفي عنه الاشتراك في حكم الطاغوت وتثبيت له الاستقلالية في الحكم في إدارة خزائن الأرض، إذ كيف يمكن أن يأمره الله تعالى اجتناب الطاغوت ثم لا يجتنب! بل كيف يمكن أن يأمره الله تعالى باجتناب الطاغوت ثم يتركه يشترك في حكم الطاغوت؟
تحرى الإجابة لنفسك - يا أخا الإيمان - فإنك مسؤول.
الثالث: إن الذي مكن ليوسف في الأرض هو الله تعالى وليس غيره قال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء} [يوسف: من الآية 56] .
يقول ابن كثير رحمه الله: (أقدرناه على ما يريد) [ج 9 /ص 217] .
إذا تلك الرحلة الطويلة المتعبة كانت بتدبير من الله تعالى ليمكن يوسف عليه السلام في الأرض، وهنا يأتي السؤال: من يمكنه الله تعالى في الأرض ماذا يعمل؟
قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج:41] . ويوسف عليه السلام مكنه الله تعالى في الأرض، إذا من ضمن ما يجب أن يقوم به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكم ذلك الطاغوت منكر لا يقره الله تعالى عليه ولا نبي الله يوسف عليه السلام، فكيف يتهم والحال هذه انه اشترك في ذلك الكفر؟ كيف يتهم نبي يقول {إن الحكم إلا لله} معصوم من الله تعالى وقد مكنه الله تعالى في الأرض، انه اشترك في حكومة ملك لا يحكم بما انزل الله تعالى؟
رابعا: أعلن يوسف عليه السلام انه متبع ملة إبراهيم عليه السلام: {واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [يوسف: 38] .
أتعلم - يا أخي في الله - ما ملة إبراهيم وماذا على متبعي تلك الملة؟
إليك البيان من الواحد الديان: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] ، هذه هي ملة إبراهيم عليه السلام والذي أعلن يوسف الكريم إتباعها.
أنبي يعلن هذا الإتباع يتهم بهذا الافتراء؟
احذر - يا أخا الإيمان - فانك تتعامل مع الله تعالى وإياك أن تمس حدوده أو تقرب منها.
فلا نملك والحال هذه وبناءا على ما تقدم من الأدلة إلا أن نقول: إن يوسف عليه السلام كان له الاستقلالية التامة عن الملك في إدارة خزائن الأرض، ومن قال غير ذلك فقد أعظم على يوسف عليه السلام الفرية.
والذي يثبت له الاستقلالية في العمل:
1)قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء} [يوسف: من الآية 56] إن من يمكنه الله في الأرض لا يكون تبعا لغيره، إذ كيف يكون ممكنا وهو تابع لغيره؟
2)قوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} [يوسف: من الآية 76] .
يقول ابن كثير رحمه الله: (أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره وإنما قيض الله له أن التزم له أخوته بما التزموه وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم ولهذا مدحه الله تعالى فقال {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: من الآية 83] ) [ج2/ ص485] .
ويقول القرطبي رحمه الله: (و كان هذا في دين يعقوب عليه السلام وحكمه ... وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ. قاله الحسن والسدي وغيرهما) [ج9/ ص235] .
فلو لم يكن ليوسف عليه السلام الاستقلالية في الحكم لما ترك دين الملك إلى دين يعقوب عليه السلام في مسألة تتعلق بالعمل الذي تسنمه والأمر لم يكن وليدة ساعة بل استغرق فترة ذهاب أخوته من مصر إلى موطنهم في فلسطين ومن ثم عودتهم إلى مصر مرة أخرى، وقد احتفظ بأخيه كل هذه الفترة وهذه لا شك فترة طويلة إلا أن الملك لا يحق له أن يحاسبه لأنه مكين نافذ القول لديه.
3)كان له حرية التصرف في البيع، يبيع لمن يشاء ويمتنع عمن يشاء ويشترط: {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} [يوسف:59 - 60] ، ومثل هذا الشرط لا يشترطه إلا من له الاستقلالية في الحكم.
4)قول يوسف عليه السلام إن الله تعالى آتاه بعض الملك، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام السلام: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف:101] . و (من) هنا للتبعيض أي آتيتني بعض الحكم وهو إدارة خزائن الأرض. أفمن يؤتيه الله تعالى بعض الملك يكون تابعا لمن لم يؤته الله تعالى الملك؟!!
هذا ما ندين الله تعالى به ونبرأ إليه من أناس سخروا دينهم لدنياهم يغيرون الإسلام وفق ما يقتضي واقعهم المريض ونسوا أن الإسلام جاء ليغير الواقع.
اللهم أرنا الحق وأعنا على أنفسنا واهدنا إلى سبيل الرشاد
أنت مولانا فخذ بأيدينا إلى صراطك المستقيم فإنا قد بذلنا الجهد
اللهم إنا نستهديك فاهدنا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
جيش أنصار السنة؛ العراق