فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 174

[الكاتب: طارق عبد الحليم]

هل جاءها نبأُ البدور ... رؤية في تحولات الحركة الإسلامية المعاصرة في مصر؛ الإخوان المسلمون في نصف قرن

تتبعت باهتمام بالغ - كما تتبع المهتمون في أنحاء العالم الإسلاميّ - الحوار الدائر على صفحات"المنار الجديد", والذي أثاره الدكتور عصام العريان , حين علّق على ما كتب الأستاذ كمال حبيب عن"الحركة الإسلامية المعاصرة .. رؤية من الداخل", وما أضافه الأستاذ كمال حبيب إلى الحوار بمزيد بيان في المسألة تحت عنوان"الحركة الإسلامية .. من أسر التاريخ إلى آفاق المستقبل". ولمّا كنت ممن شهد هذه الحقبة من الزمان شهودًا فعّالًا؛ فقد رأيت أنه من الإثم أن أكتم شهادة عندي من الله , فشهدت بما عرفت , وأقررت بما شاهدت ووعيت , من أحداث تلك الحقبة المتميزة في تاريخ الحركة الإسلامية , وأقصد بها السبعينات من هذا القرن. وكنت قد أنهيت دراستي الجامعية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات , كما كنت - ومَن زاملني في هذه الحقبة - ممن شغف بالقراءة حبًّا , فالتهمنا الكتب التهامًا , ولم نغادر مجالًا من مجالات البحث إلا وخضنا غماره , وفتَّقنا أسراره , ثم أراد الله - سبحانه - بعظيم فضله , وواسع مِنَّته أن نتجه لدراسة الإسلام منذ أن انتبهنا إلى ما وقع من أحداث عامي 1965 و1966 , ومدلولاته على ما يعانيه الدين الحنيف على أيدي مَن يفترض أنهم يجلسون مجلس حُماته , ورُعاة شأنه.

شاركت - وإخوة لي - في الكثير من الأحداث التي عصفت بالساحة الإسلامية , والساحة المصرية بشكل خاص , منذ مظاهرات عام 1968 , إلى ما بعد حادثة مقتل السادات , وبداية انغلاق ما يُفترض أنه كان نافذة يتسرب منها نسيم الحرية للعمل الإسلاميّ في خلال السبعينات.

وقد كانت مشاركتي بالقلم واللسان , فكتبت عددًا من الكتب التي نُشرت في مصر وخارجها إِبَّان هذه الفترة من الزمان , كما شاركت في توجيه عددٍ غير قليل من الشباب الذي كان متشوِّفًا للعلم , مقبلًا على دينه بصفاء ورغبة حقيقية في التغيير.

وما أطلت بذكر هذه الخصوصيات إلا ليطمئن القارئ أنني أتحدث من واقع مَن عايش هذه الأحداث , وشارك فيها إلى غاية أعماقها , فشهادتي شهادة رؤية عين , لا شهادة سماع أو نقل.

وبداية , أؤكد ما قرره الأستاذ كمال - في مقاله الثاني - من أنه على الرغم من أهمية دراسة الأحداث التي كوَّنت نسيج الماضي , فإنه يجب أن نحذر من التمادي في دراستنا للماضي حتى تصبح من قبيل الشغف بالعلم الأكاديميّ , الذي لا ينبني عليه عمل , ولا يقود إلى رؤية لمستقبل؛ إذ إنه لا فائدة للماضي إن لم يوجه المستقبل , ويقود خطاه.

وقصارى الأمر أن نصبح نحن مادة دراسية لأبناء الجيل القادم , يعكفون على دراسة ما انشغلنا به , وما شغلنا عن التقدم والعمل له.

وسنبني شهادتنا هذه على مناقشة بعض ما قاله الباحثان في هذه المسألة , ثم على بيان نقطة نحسب أنها لم تنلْ بعد ما تستحق من البيان فيما كتب الأستاذ كمال , على الرغم من الإشارة إلى أحد مركباتها العقَدية في مقاله الأخير , وهي:

لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة"الإخوان المسلمون"؟ , وما هو الذي أدى إلى أن ينقسم فيهم الناس بين موافق ومخالف؟!.

أولًا: مناقشة مقالَتَيْ"الحركة الإسلامية":

على الرغم من إقرارنا بأن عنوان دراسة الأخ الأستاذ كمال أعمّ مما اندرج تحتها من شواهد , وإقرارنا بأنه كان من المنطقيّ أن يذكر حركة"الإخوان المسلمون", ولو كتواجد تاريخيّ لا تزال تنبض فيه الحياة , فإننا لا نملك إلا أن ننبه إلى أن ما خلص إليه د. عصام العريان - من أن دراسة الأستاذ كمال حبيب إنما اقتصرت على اتجاه واحد - تقريبًا - وهو ما سماه"الاتجاه الثوري"- هو ظلم للبحث والباحث على السواء , رغم محاولته التخفيف من هذا التعميم المجانِب للصواب بكلمة"تقريبًا".

فإن الأستاذ كمال قد تعرض في مقاله الأول إلى الكثير من الاتجاهات التي عملت على الساحة الإسلامية مثل"السلفيون"ممثلين في اتجاه أسامة عبد العظيم , واتجاه الألباني ومحمد بن إسماعيل , ثم اتجاه التكفير , والتبليغ والدعوة , وختم هذا الفصل بقوله:"هذه هي أهم الاتجاهات التي مثَّلت الحركة الإسلامية في السبعينات".

والقارئ المدقق يدرك أن الدراسة إنما قصدت التركيز على ما طرأ على الحركة الإسلامية من أفكار تمثلت في اتجاهات حركية , أو ما كان من حركات إسلامية لا تتمتع بشعبية كبيرة حتى ذلك الحين , ولكنها لم تقصد مسحًا للساحة الإسلامية يستقصي اتجاهاتها كافة , حتى ما كان من ذكره لجماعة التبليغ والدعوة التي نشطت نشاطًا غير عادي في أيام الشيخ إبراهيم عزت , فكان نجمها إلى صعود في هذه الفترة.

ثم ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب من أن الحركة الإسلامية قد تأثرت - بشكل أساسي عميق - بفكر الأستاذ سيد قطب وشيخ الإسلام ابن تيمية , وأضيف من عندي إلى القائمة المفكر الأستاذ المودودي فيما كتبه في العقيدة وأصول الحكم كالمصطلحات الأربعة وغيره , ومؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبنائه فيما كتبوا في بيان التوحيد الخالص من الشرك والبدع , أقول ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب هو عين الصواب , الذي رأيناه وعاشرناه , بل هو ما مر بنا كأبناء للحركة في السبعينات , حيث كان كتابَيْ المعالم والظلال , ثم ما دوّنه ابن تيمية من آراء عقَدية تمثل فكر أهل السنة والجماعة دون شغب أو خلط , كاقتضاء الصراط المستقيم , والعقيدة الواسِطية , والصارم المسلول , وغير هذا من مؤلَّفات يعرفها مَن اضطلع على فكر هذا المجدِّد العظيم , كانت هذه الكتب هي الغذاء العقلي والروحي لأبناء الحركة الإسلامية في تعدديتها , ولدى مَن لم يكبل نفسه بإسار فكر معين , أو ممن تشبَّع بفكر الإخوان , وما حملته دعوتهم من نزعات إرجائية أسفرت عن نفسها -بوضوح تام - في كتاب"دعاة لا قضاة"المنسوب للأستاذ الهضيبي رحمة الله عليه.

وما دار حوله ردّ الأستاذ الدكتور العريان إنما هو ما يدندن به الإخوان من أن حركتهم هي"الحركة الأم"! , وأنها هي التي يجب أن تقود العمل , وأن يخضع لها سائر المجتهدين من الاتجاهات كافة لسبقها التاريخيّ , ولما تعرّض له أبناؤها ومنتسبوها من تعذيب , والله يشهد أن كِلا الأمرين غير معتبر شرعًا؛ فالسبق التاريخي لا معول عليه سلبًا ولا إيجابًا , وتعرُّض الإخوة من منتسبي الإخوان للتعذيب هو أمر بينهم وبين الله - سبحانه - فهو وحده الذي يجزي كل نفس بما تسعى , وليس هذا بدليل على صحة القول أو سلامة الطريق أو سداد المنهج.

والحقيقة التي لا يماري فيها امرؤ - فيه بقية من إنصاف - أن حركة الإخوان قد أصابها ما أصابها في صوراتها الفكرية واجتهاداتها الحركية , مما أدى إلى تغيير خريطة الحركة الإسلامية من أُحادية التوجه - تحت مظلة الإخوان - إلى التعددية الواسعة التي تشمل ما شئت من اتجاهات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين , لا يكاد يجمعها إلا مخالفة الإخوان في مذاهبهم لسبب يختلف باختلاف الرؤية الخاصة بالمخالف.

وسنحاول - فيما يأتي من قول - أن نتتبَّع ما صَاحَبَ ظهور حركة الإخوان من عوامل , كان لها أثر حاسم في توجيه فكر مؤسسها حسن البنا - رحمة الله عليه - ونبين ما تلا ذلك من مراحل كان فيها وفاء أبناء الجماعة لمؤسسها أعمق من ولائهم للصواب والبحث عن الحق فيما تجدد من أمور ووقائع!.

لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة"الإخوان المسلمون"؟:

كان صدى سقوط الخلافة هائلًا على مستوى الفرد وعلى مستوى الدول التي كانت تشكّل تلك الخلافة العريضة الممتدة إلى عرض قارات ثلاث في البعد المكاني , والي عمق أربعة عشر قرنًا في البعد الزماني.

وكان ذلك نتيجة عمل دائب متواصل من القوى الصليبية التي اصطنعت الماسونية حينًا واللادينية"العلمانية"حينًا آخر , وأسفرت بوجهها أحيانًا؛ لتصرع قوى الإسلام المادية بتقسيمه ودحره , وقواه المعنوية ببث السموم في عقائده وثوابته الفكرية , بل وجندت بعض أبنائه ممن انخدعوا ببريق الحضارة الغربية كرفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي.

ولم يستسلم العالم الإسلامي لتلك الكارثة مرة واحدة , بل إن الأقرب أن يقال إنها أصابت منه عصبًا أساسيًا , ولكن بقيت - مع ذلك - شعلة الحياة متقدة فيه , فقد قام الكثير من أبنائه بالبكاء والنحيب على ما كان , وتمثَّل ذلك في شعر شعرائهم وأدب أدبائهم قُبيل العشرينات وبعدها , يقول أحمد شوقي في مناسبة تنحية السلطان عبد الحميد:

سل يلدزًا ذات القصور

لبكتك بالدمع الغزير ... لو تستطيع إجابة

كيف أمسيت يا ابن عبد المجيد ... ويقول حافظ - في نفس المناسبة:

لا رعى الله عهدها من جدود

بِتُّ أبكي عليك عبد الحميد ... كنت أبكي بالأمس منك فما لي

كان الشعور إذًا يتأجج بحب الإسلام , واحترام الخلافة , وتقدير أهمية دور اجتماع المسلمين , وعلى الرغم من اختلاط ذلك بمفهوم الوطنية عند العديد من الكُتاب والمفكرين - كما يذكر الدكتور محمد محمد حسين رحمة الله عليه فقد"كانت العاطفة الدينية إذن غالبة مسيطرة , وكان الدين والوطنية توأمان" [الاتجاهات الوطنية , 1/ 61] .

وكان إلى جانب هذا التيار وجهتان لا يتعلقان بموضوعنا كبير تعلُّق , وإنما أردنا أن نذكرهما لتتم صورة ما تفاعل في بلادنا في تلك الآونة؛ لينتج ما نعيشه اليوم من أحداث , هذان الاتجاهان هما: الاتجاه الوطني أو القومي , الذي يدعو إلى الاجتماع على رابطة الوطن أو العرق دون غيرهما , كما دعا إليه أحمد لطفي السيد الذي أطلقوا عليه:"أستاذ الجيل"! , وثانيهما: الاتجاه اللاديني الذي نما وترعرع تحت ظل الاتجاه السابق بما دعا إليه من حرية على النظام الغربي الديموقراطي , والتي إنما عني بها"حرية الهجوم على الدين ونشر الإلحاد"! , وتولى كِبر هذا الاتجاه سلامة موسى بشكل سافر , وطه حسين بشكل مستتر , وغيرهما ممن نحا مَنْحاهما فيما بعد.

أمر آخر لا يصح إغفاله في هذا المقام , وهو محاولات عدد من حكام المسلمين وملوكهم أن يدعو إلى إعادة الخلافة وتوليها بأنفسهم , كما فعل الملك فؤاد ملك مصر والسودان بشكل غير مباشر , وما دعا إليه البعض من ترشيح الملك الحسين بن علي , وما كان من أمر مؤتمر الخلافة من قبل مصر والأزهر بشكل خاص , مما جعل أمر سقوط الخلافة يبدو في أذهان الكثيرين وكأنه أمر عارض لن يفتأ أن ينتهي , وأن تعود الأمور إلى نصابها مرة أخرى.

كذلك فإن هناك عاملًا آخر لعب دورًا مهمًا في تشكيل هذه المرحلة , وهو وجود الاحتلال الأجنبي في بلاد المسلمين بخيله ورَجله , ومحاولاته الدائمة لخلق الشقاق بينهم , وتشتيت شملهم , إما بشكل مباشر أو بتجنيد مَن خلع الربقة منهم؛ ليكون داعية لهم على أبواب جهنم , يفتن المسلمين , ويغمِّي عليهم أمر دينهم , مما أضاف غمة إلى غمة , واضطرابًا إلى اضطراب.

في هذا الخضم - ووسط هذه المعمعة - ظهر الداعية الإمام الشهيد حسن البنا رحمة الله عليه؛ ليؤسس أول مجمع إسلاميّ يقصد إلى تكوين جماعة إسلامية تهدف إلى إحياء الروح الإسلامية وإعادة توحيد صفوف المسلمين بعد أن رأى الهجمة الغربية العنيفة المتمثلة في دعوة أمثال قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وغيرهما من دعاة التغريب والتفرنج.

كانت دعوة البنا سهلة ومباشرة , لا خفاء فيها ولا سرية؛ إذ لم يكن هناك ما يدعو إلى خفاء أو سرية آنذاك. وكان البنا يرى - كما أمْلت ظروف المرحلة - أنّ البلاد الإسلامية تمر بأزمة حادة في تطبيق الإسلام على مستوى الفرد , بما هو مشاهَد من تدهور الخلق العام , والبُعد عن شفافية الإسلام وروحه , وعلى مستوى الدولة بما هو قائم من فساد إداريّ وانتشار الرشوة والمحسوبية , والظلم والفساد في تصرفات الحكام وحاشيتهم وأتباعهم.

ولكن توصيفه للواقع لم يتعدَّ إلى أبعد من هذا التوصيف: أمة متدهورة في الخلق , وحاكم ظالم يعين على التدهور , قريبًا مما كانت عليه الحال في عهد بعض حكام الأمويين والعباسيين من عربدة الفرد وظلم الحاكم.

كان البنا يرى الداء بهذا المنظار؛ إذ لم يكن - في رأينا - ثَم منظار آخر يوضح الصورة التي يقود إليها الوضع القائم في ضوء ما ذكرنا من معطيات الواقع. فعلي مستوى الفرد , يرى البنا أن المسلمين ينقسمون إلى أربعة أصناف:"مسلم بالبِطاقة , ومسلم بالعقيدة لا يهتم بالناس , ومسلم يأتي بإسلام العقيدة مع بعض العمل الصالح , ثم المسلم"الكامل"الذي يرى الإسلام دينًا ودنيا , علمًا وعملًا" [حديث الثلاثاء , ص498] .

ويرى أن مهمة الإخوان هي"أولًا: إقامة أمة صالحة , وثانيًا: إقامة حكومة صالحة" [حديث الثلاثاء , ص357] .

والبنا يحشد الإخوان للبيعة للملك فاروق , ويطلب إليه أن يصلح من شأن رعيّته , وأن يقوِّم من اعوجاج حكومته , ووالده الملك فؤاد كان مرشحًا للخلافة , وداعيًا إليها؛ فابنه حريّ - إذن - أن يُخاطَبَ بالإصلاح , لعلّه يذَّكر أو تنفعه الذكرى! , وكم من ملك ظالم من ملوك المسلمين سمع لعظة الدعاة والعلماء , وانتهى عن ظلمه جزئيًا أو كليًا , والخلافة عائدة عن قريب , والاحتلال - الاستعمار - هو المانع الرئيسي في سبيل عدم إقامتها , والحكام مغلوبون على أمرهم؛ إذ المحتل قابع في ديارهم , فهو حكم اضطرارٍ حقيقي لا متوهَّم , وإرساء أحكام الشريعة قاب قوسين , حين يندحر المحتل - المستعمِر - , وحين يفيق الحاكم , والدور الآن على الدعاة من الإخوان أن يصلحوا أمرهم وأمر الناس , وأن يبنوا النفوس أولًا , والحكام تابعون - بل خاضعون - لذلك الإصلاح ولا محالة.

ولم يكن أمر التحاكم إلى الشريعة مطروحًا , ذلك الطرح الذي فرض نفسه بحكم الواقع - قبل أن يفرضها بحكم الفقه - بُعَيد حصول بلاد المسلمين على الاستقلال , وبعد أن انجلت الصورة , وانقشع غمام الاحتلال , وعادت أمور المسلمين إلى أيدي أبناء جلدتهم , ومَن يتحدثون بألسنتهم , وزالت شبهة الاضطرار , وأصبح الحاكم هو الذي يصر على العمل بالقوانين الوضعية وعلى إهمال الشريعة , بل ويعتقل مَن يدعو إلى غير هذا من تحكيم الشريعة والعودة إلى الأصول , واختفى حديث الخلافة , وأصبح لفظ"الخليفة"مما يتندَّر به الناس في جلساتهم كعُنوان على التخلف , والبُعد عن الحضارة الغربية ورموزها!.

لم يكن البنا - إذن - في وضع يسمح له بالحديث عمّا يجري على ألسنة الجماعات الإسلامية"المعاصرة"من"تكفير"و"توقُّف"و"حكم على المعين", وغير ذلك من القضايا التي أنشأتها معطيات جديدة كل الجدة , سواء أصحت , أم جانبت الصواب , وسواء أوافقت السُّنة , أم خالفتها , فالأمر - في عهد البنا ومنظوره - مختلف كل الاختلاف عما آل إليه أمر المسلمين بعده , ويظلم البنا ويظلم نفسه مَن يحاكم أقواله وتصوراته التي أنشأها واقع الثلاثينات في ضوء معطيات واقع جديد , بدأت تتحدد أبعاده في أوائل الخمسينات , وأُرسيت قواعده , ووضحت أبعاده في السبعينات وما بعدها , إلا لمَن فقد الرَّشَد أو السمع والبصر كليهما!.

وما نراه في هذا الأمر أن المرحلة قد هيأت للبنا - إلى حد ما - أن ينتهج مذهبًا"تجميعيًّا"متهاونًا , يُبنَى على تجميع فئات الشعب , وترقية خلقه والتزامه بمفاهيم الإسلام , وإعداده لعهد الخلافة المرتقب آنذاك , بدلًا من أن ينتهج منهجًا"انتقائيًّا", يقرّب به مَن قال بقوله , وانتهج نهجه؛ ليكوّن مجتمع الصفوة الذي يمكن أن يكون قريبًا من ذلك الجيل الفريد الذي أنشأه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي يمكن به أن تنصلح الأمة كما انصلح بمثله ولها.

وهذا التصور هو الذي ذهب إليه الشهيد سيد قطب - بعد استشهاد البنا - بسنوات قليلة. وهو منهج يخالف كل المخالفة ما كان عليه البنا جملةً وتفصيلًا.

ثم كان ما كان من أحداث قيام انقلاب يوليو عام 1952 في مصر , والضغط على الحركة , فتبدَّلت الأحوال , وتغيَّرت معالم المرحلة تغيّرًا تامًا؛ إذ استقل العسكريون بالحكم , وأُعلنت الأحكام العرفية , واستُبدل الحكم العسكري بالحكم المدنيّ الممثَّل في ممثّلي الشعب المنتخبين بطريق حرّ , وبدأت مرحلة الصدام بين الدولة وبين مَن نحا منحًى إسلاميًا بشكل عام , وبين مَن انتسب للإخوان المسلمين بشكل خاص.

أدّى هذا التغيّر إلى ظهور معطيات جديدة على الساحة استتبعت أن يجدد الإسلاميين اجتهاداتهم في رؤية الواقع , وتنزيل الأحكام المناسبة على مناطاتها الصحيحة , فكان منها ما وافق روح المرحلة , ولاءمت اجتهاداته مناط الواقع , ومنها اجتهادات لم توفّق في توصيف الواقع بشكل صحيح , فأخطأت في مناطات فتاواها , ومنها ما خرج عن نطاق السنّة , وانحرف في فهم الأحكام الشرعيّة , ومن ثم في استنباط الفتاوى الشرعية الصحيحة التي تُبنى عليها الحركة.

تحصَّل ممّا تقدم أنّ الصّدْعَ الفكريَّ نشأ في مطلع الخمسينات؛ إذ إن الصورة بدأت تتبلور , وتتضح معالمها , من خروج سافر على شرع الله - سبحانه - وبدأ الصراع بين المعسكرين - معسكر الإسلاميين ومعسكر اللادينيين - يتخذ شكلًا علنيًّا سافرًا , وبدأت معه مرحلة التخبّط في توصيف الواقع القائم من ناحية , وفي كيفية مواجهته والتعامل معه من ناحية أخرى.

واختلفت منظورات التأويل , فاختلفت معها أُطروحات الحلول. ولم يكن الخلاف سهلًا أو سطحيًّا , بل ضرب بجذوره إلى الأعماق في الكثير من الحالات , مما أدّى إلى ظهور اتجاهات جديدة , رفضت ما عَرَضه"الإخوان المسلمون"في مرحلة"ما بعد البنّا", نتيجة الخلاف على توصيف الواقع , ومن ثمّ , على وصف طرق التعامل معه.

واتسع الخلاف ليشمل المنظومة الفكرية الإسلامية من طرفها إلى طرفها , من إفراط في الغلو والخروج , إلى تفريط في الالتزام بأوَّليات الشريعة.

وحتى ندرك ما واجهته التيارات المختلفة في ذلك الحين , يجب أن نتعرّض للأطروحة التي عرضها"الإخوان المسلمون"عقب استشهاد البنّا - رحمة الله عليه - ما وافق منها الشرع , ولاءم الواقع , وما تجاوز فيها الحق , وجانب النَّصَفَة.

لقد ذكرنا مما سبق أنّ الظروف المحيطة بدعوة البنّا أملت عليه أمرين رئيسين في دعوته , المنهج التجميعيّ , ومهادنة الحكومات"الإسلامية", وذكرنا أنه مُبَرَرٌ بما أحاط بالدعوة في مبدئها من ظروف. ولكن تلك الظروف قد تبدّلت؛ فقد خرج المحتل من البلاد , وتولّى الحكم مَن هُم من جلدتنا , ويتكلمون بألسنتنا , وساعدت حركة"الإخوان المسلمون"حكومة انقلاب يوليو عام 1952 وضُبّاطه على إنجاز المهمة , وهي أمور محلّها التاريخ , وإنّما نحن نثبتها كمسلَّمة؛ لتفي بغرض هذا البحث. وسرعان ما أسفرت اللادينية عن وجهها , وتبدَل الصديق عدوًا , وأُسكن الإخوان السجون. وكان الهضيبي وقتها هو المرشد العام للحركة. وواكب ذلك بزوغ نجم"سيد قطب"ككاتب ومفكّر وداعية إسلامي , له منهج متفرّد , بعد أن عُرف أديبًا وناقدًا في أوساط الأدب لسنين عديدة , مما سيكون له أكبر الأثر في مسيرة الدعوة الإسلامية في هذا العصر.

تابع الإخوان المسلمون مسيرة الدعوة , على الرغم مما تعرّضوا له من نكبات , تمثّلت في حركات اعتقال واسعة المدى لزعمائهم وأتباعهم على حدّ سواء. ولكن الحركة لم يتهيّأ لها قيادة ملهمة كقيادة البنّا , تتمكن من إعادة حساباتها , ودراسة واقع المسلمين بعد تغيّر الظروف والمعطيات؛ لتخرج بتوصيف صحيح للواقع , ومن ثم بتنظير ملائم وتخطيط عمليّ لمواجهة ذلك الواقع. فتابع الإخوان المسيرة بنفس التنظير الذي خطّه البنّا لها منذ منتصف الثلاثينات.

وكان ذلك - فيما نرى - نتيجة لأمرين: أولهما ما ذكرنا من عدم توفّر مَن يقدر على الرؤية الصحيحة لمسار الأحداث بين رُتب الجماعة العليا وقياداتها , والآخر - وهو لا يقل أهمية عن العامل الأول - أن البنّا رحمة الله عليه كان من عمق التأثير وقوته على أتباع الحركة بما أعجزهم عن الخروج عن فلك التنظير الذي قرّره للحركة قبل عقود من الزمان , على الرغم من التغيّر الكلّي في الظروف المحيطة.

ونحن - فيما نرى كذلك - نُرجع بعض اللوم في هذا الموقف إلى البنّا رحمة الله عليه؛ إذ إنه لم يُنَشِّئ من خلَفه رجالًا يعتمدون على الاستقلال , وينفرون من التقليد , وهو الخطأ الذي لا يزال يقع فيه العديد من قادة الحركات الإسلامية وقوادها في زماننا هذا.

استمر الإخوان - إذًا - في خط البنّا , وهو خط التهادن مع النظم القائمة , وبُلورت أفكار الإخوان في كتاب"دعاة لا قضاة"المنسوب إلى الهضيبيّ - رحمه الله - والكتاب يعكس فكرًا أراد أن يوائم بين الموقف العمليّ الذي انتهجه البنّا وبين قضايا العقيدة , فكان أن نحا منحًى إرجائيًا؛ فالإيمان هو التصديق , والعمل إنما يكون في مجال الطاعات وزيادة القربات , وليس من العمل ما يخدش حِمى التوحيد , والمسلم لا يرتدّ بقول أو عملٍ أو اعتقاد إلاّ أن يصرّح بلفظ الردّة , طالما هو يتلفظ بالشهادتين , ومن ثم فالحكم بغير أنزل الله إنما هو من المعاصي , والحاكم بغير ما أنزل الله مسلم , يُلتمس له العذر لعدم القدرة على تطبيق الشريعة؛ نظرًا للضغوط العالمية عليه , كما صرّح بذلك العديد من قادة الحركة , والإخوان يعملون"من داخل النظام وفي إطاره الموضوع"!؛ لنشر الإسلام , كما أنّهم يرون الاشتراك في التنظيمات السياسية الوضعيّة لمحاولة التغيير من الداخل. ولسنا هنا بصدد مناقشة صحة هذه الآراء أو تفنيدها , فليس هذا المقال بحثًا في العقيدة , ولكننا نود أن نؤكد أنّ هذا المنحى من الفكر قد نشأ تجاوبًا مع منهج قائم في الحركة.

فالحركة اختارت - أولًا - أن تتخذ سبيل المهادنة مع النظم التي تحكم بغير ما أنزل الله , ثم ذهب مُنظِّروها - ثانيًا - يقيمون الحجج على صحة هذا المذهب من أبحاث العقائد.

فالحركة إذن في طور ما بعد البنا نشأت سياسية , ثم كوّنت القاعدة الفكريّة بعد ذلك , وبناءًا عليه.

وقد كتبت مقالًا - منذ أكثر من خمسة عشر عامًا - في العدد الأول من مجلة"البيان"اللندنية , تتبعت فيه الفكر الإرجائيّ الحديث , ذكرت فيه أنّني"ما فعلت ذلك إلا بعد أن قدّرت مدى الحاجة إلى إظهار عوار تلك الفئة التي ما زالت جرثومتها تسري خافية تارة , وظاهرة تارات بين صفوف المسلمين , بل - وعجبًا! - بين صفوف الإسلاميين منهم , فتصيب ذلك الكيان الإسلامي بالضعف والوهن وفقدان القدرة على تمييز الخبيث من الطيب , ومعرفة المفسد من المصلح , وبالتالي أثرها البالغ السوء في الواقع الإسلامي أخلاقيًا وسياسيًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت