فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 174

فلم يكن - إذن - هذا الموقف العقَديّ هو الخطأ الوحيد الذي انزلقت فيه حركة"الإخوان المسلمون"حين تبنّت اتجاهًا ارجائيًّا , بل إن المنزلقات الحركية التي واكبت ذلك المنهاج الفكريّ كانت من أكثر العوامل التي ساعدت على بقاء الحركة محدودة الأثر بعد أكثر من ستين عامًا على نشأتها؛ فهي لم تفرز دولة , ولم تنشئ حزبًا سياسيًا مقبولًا لدى حكومة من الحكومات التي تعمل في إطارها ومن خلال نظامها!.

وقد كان من جرّاء تبني الإخوان لهذا الموقف العقدي أن اصطبغت مواقفهم"بالاعتدال"كما يسميه أتباعهم , و"بالتجاوز والتفريط"كما يراه مَن خالفهم في منحاهم؛ فالإصلاح يأتي من"داخل النظام"لا بالخروج عليه كما عبر عن ذلك مرشدهم السابق - رحمة الله عليه - وهو ما اتبعه الإخوان في أنحاء العالم العربيّ كافة محاولين دون جدوى - لسنين تربو على الأربعين سنة - أن يكون لهم أثر ولو أقلّه في الحياة السياسية في بلادنا , فدخلوا انتخابات , وحازوا مقاعد في مجالس نيابية , ثم ألغيت تلك المجالس بخطة قلم , وأُهين ممثلوهم في مواقف عديدة , واستُغل وجودهم في مقاعد المجالس النيابية لإضفاء الشرعية الإسلامية على هذه التنظيمات , واضطروا إلى عقد تحالفات عليها العديد من التساؤلات والمحاذير من الناحية الشرعية.

ولسنا هنا بصدد تصحيح هذا الاتجاه أو تخطئته , وإنما نحن واصفون للأحداث التي أدت إلى بزوغ الجماعات الإسلامية من خارج إطار الإخوان.

إلا أن الإخوان قد عانوا كذلك - ومن جرّاء تبني ذلك الاتجاه العقديّ مقرونًا بالموقف العملي"التجميعيّ"الذي تكلمنا عليه آنفًا - من عدم القدرة على تكوين قاعدة فكرية قوية , تحمل الدعوة بشكل صحيح , ويتولاها منهم مَن تحقق بالعلم؛ إذ أدى اتساع القاعدة الجماهيرية التي داروا في فلكها إلى أن أمَّروا من الشباب مَن لم يتحلَّ بعلم أو خلق , وصار أمر الدعوة يوكل إلى كل مَن رضي"بالبنّا"إمامًا , والأصول الخمسة كتابًا , وإن لم يقرأه, بَلَهْ أن يقرأ غيره , فكان أن انحطَّ مستوى الدعاة , وانحط معه مستوى المدعوّين. وضاعت معالم السُّنة في هذا الخضم ضياعًا شديدًا , وعُمّيَ وجه الحق على الناس في العديد من الأمور.

إذن؛ فخط الإخوان كان ولا يزال خط التجميع العام الذي لا يفرّق كثيرًا بين سنة قائمة أو بدعة شائعة! , والذي لا يجعل لمذهب أهل السنة والجماعة فضلًا على غيره من المذاهب البدعية طالما أن الكل يشهد الشهادتين لفظًا , وإن خالفهما عملًا , والعامة بخير طالما انتسبوا للإخوان , والتشدد لا محل له , والأمور"الظاهريّة"- كاللحية والاختلاط واستماع الأغاني والموسيقى - ليست من أصول الدين , ويشهد الله - سبحانه - أنها من دين الله الواجب , ثم الواجب أن يهتم الدعاة بجذب العوام إلى الانتماء للإخوان , على ما هم فيه من مخالفات شرعية , فالحركة - إذن - بين الناس هدف في حد ذاته , واتباع السنة ليس غرضًا أساسيًا في تنظيم الإخوان , وإن ذكروا ذلك لفظًا.

وهذا المنحى يتمشى مع ما سبق أن قررناه عن طبيعة الحركة من كونها حركة سياسية في طبيعتها قبل أن تكون حركة دينية متكاملة , تشمل الحياة بأبعادها السياسية والعبادية جميعًا في منظومة واحدة كما أرادها الله سبحانه.

وأقص قصة وقعت لي قبل عشرين عامًا أو يزيد , فقد قدّر الله - سبحانه - أن يكون هناك لقاء مع أحد كبار دعاة الإخوان في بيته بمصر للحديث - بشكل عام - عن أوضاع المسلمين , وما يعتور الساحة الإسلامية من أحداث , يقول راوي القصة:"ولاحظت عند دخولي منزل الأخ أنه ملئ بالتماثيل , وصور الأحياء على الحوائط , وبعد أن استقر بنا المقام , وأزال التعارف حواجز الوحشة , قلت له: أخي , لعلك تعرف حرمة اقتناء التماثيل , وصور الأحياء في المنزل , فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تمثال أو صورة , كما في أحاديث الترمذيّ وأبي داود وأحمد في المسند , وقد أطنب علماء السنة المقال في هذا المقام , فما بالك تفعل خلافه , وأنت من كبار الدعاة المنظور إليهم من العامة , أفلا نكون مثلًا لهم يُحتذَى في هذه السنة المهجورة؟! , قال الأخ - وأحسبه صدَق في قوله: أَوَ ذلك صحيح؟! , لم أكن أدري هذا الأمر من قبل! , وسأرفع ما تيسر من هذه الأشياء إن شاء الله .. ثم تطرق الأمر إلى الحديث عن بعض أصول الإيمان وأحكام الشرع , ومنها أحكام ردة المسلم بارتكاب قول أو فعل يُخرج من حظيرة الإسلام , وكان أن عبّر الأخ عن عظيم دهشته من أن المسلم قد يتعرّض لفعل من أفعال الكفر بأيّ صورة من الصور! , وكذلك عبّرت زوجه - التي كانت تشارك في الحديث من آن لآخر - عن دهشتها لإمكانية أن يخلع المسلم الربقة لأيّ قول أو فعل , طالما نطق بالشهادتين في يوم من أيام حياته , أو طالما وُلد لأبوين مسلمين .. وبعد أن بينت لهما أن الأمر مخالف لذلك , وأنه مع شدة التحفّظ في الحكم على فرد من الأفراد بخلع الربقة والخروج من الإسلام , فإنه لا يجب أن يُعمَّم القول باستحالة أن يكفر المسلم؛ فإن ذلك يناقض مفهوم قول الله - سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة:54] . واستحالة ذلك الاحتمال إبطال للآية , التي لا محلّ لإبطالها , وإنما الواجب أن يتثبَّت الناس فيما يرمون به مَن ظهر منه قول أو فعل ذكر فيه العلماء أنه مُخرج من الملّة , وألا يتعرض عوامّهم لإيقاع مثل ذلك الحكم؛ إذ إن ذلك لا بد أن يكون ببرهان من الله ساطع , ومَن تعدى حدود ذلك فهو من الغلاة المُفْرِطِين , ولكن - وبنفس النسبة - فإن مَن جعل الشهادتين حِرزًا يستتر من ورائه العابثون بالشريعة , ويستخفّون عقول المسلمين لنشر لادينيتهم وإلحادهم - فهو من المرجئة المفَرّطين في دين الله"انتهت القصة

والشواهد التي تدل عليها هذه القصة كثيرة: منها أن منهج الإخوان لا يُلقي كثير بالٍ لاتِّباع السنة , وإنما الدعوة والحركة هما هدفه الأساسيّ , وأن اهتمامهم بالعلم الشرعي لم يكن على المستوى اللائق بنشر الشريعة بين العوام توطئة للرجوع إليهم كجهة فاصلة في كسب التأييد لتشكيل الحكومة , وأن ادعاء الحذر في فهم الواقع والتمذهب بالإرجاء - وإن لم ينتحلوه بلسانهم - هو من جرّاء عدم القدرة على فهم الواقع , فهو مذهب السلامة المعتمد من الحكّام على مر الزمان.

ولا يظنَّنَّ ظانّ أننا إذ ننقض هذا الموقف بالكلّية , فإننا - بالضرورة - ننصر القول بتكفير الناس - حاشا لله - فوالله إن ذلك ليس من عقيدة كاتب هذه السطور , ولا مما شهدت به أصول الشرع وفروعه , وإنما سيكون لنا كرّة على مذهب أولئك الذين يقعون على طرف النقيض من الإخوان , فيُكفّرون الناس لغرض التكفير , وعلى مذهب مَن ينتحلون الجهاد مبررًا لقتل الأبرياء دون مبرر , فنبين عوار مذاهبهم , وضحالة علمهم , ولكننا أردنا أن نبين أن حركة الإخوان قد وقعت في تفريط عقائدي , وفوضى عملية من جرّاء جمود اجتهاداتها بعد مرحلة البنا خلال الخمسين عامًا السالفة.

أمر آخر اتسمت به حركة الإخوان - وكان من تداعيات ما اتصفت به الحركة من صفات مررنا بها في السطور السابقة - وهو اعتماد مذهب"الولاء قبل الكفاءة". فإنه كان من جرّاء التوسع في قبول المنضمين إلى حركة"الإخوان"دون قيد أو شرط أن احتاجت القيادات إلى توفير عدد أكبر من الموجهين للأعضاء الجدد. إلا أن ذلك كان مصحوبًا بما هو أعمق أثرًا في اعتماد هذا المبدأ , وهو نظرة الإخوان إلى أهمية العلم الشرعيّ لدى أفراد التنظيم عامة - كما ألمحنا آنفًا - وعدم قدرتهم على التمييز بين العضو العادي والعضو العامل والعضو الموجه. كذلك فإن التوجه السياسي للحركة أملَى أن يكون لها قاعدة عريضة من"المشجعين", تعتمد عليهم في صراعها على السلطة من خلال مبدأ الأغلبية. والإخوان لا يعتمدون - في دوائرهم - مَن لا يبايع على العمل؛ فالبيعة هي مفتاح الدخول إلى دائرة العمل في الجماعة بغضّ النظر عن القدرة العلمية. ولا شك أن اعتماد هذا المذهب يناقض المبادئ الإسلامية بشكل عام , ويناقض مبادئ العمل الجماعيّ في صورته الاجتماعية العامة بشكل خاص؛ فالأصل أن يولَّى من المسلمين أفضل مَن يصلح للعمل من حيث العلم الشرعيّ والقدرة على أداء المهمة الخاصة المنوطة به , و"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"كما في البخاريّ - كتاب الفرائض - ولكن لكي لا نظلم تنظيم الإخوان , فإن هذا المبدأ قد اعتمدته غالب الاتجاهات الإسلامية الأخرى , حتى مَن انتسب منها إلى أهل السنة والجماعة , وأعلن تبرُّؤَه من ذلك المبدأ قولًا.

ويظهر أن ذلك إنما صَاحَبَ اعتماد السرية في العمل؛ نظرًا للواقع المحيط , فكان أن لجأت القيادات إلى استخدام مَن التزم البيعة حرصًا على سرية العمل.

كذلك فإن ضعف القيادات وحب السيطرة والنفوذ قد ألجأ بعضها إلى تقريب مَن أعلن خضوعه لأشخاصهم , بغض النظر عن التزام الجماعة , فاتخذوهم معاونين ومساعدين , وجعلوهم مسؤولى كذا وكذا في التنظيم , وهو ما أدى إلى ضعف الأداء في كثير من الأحيان , وإلى توليد مشاعر القيادة والعلو في نفوس ممن لا يملك القدرة ولا الأدوات اللازمة للقيادة.

حركة"الإخوان"إذن - كما يراها مَن لم يرتضِِ خطهم السياسي والعقائديّ - هي حركة سياسية , اعتمدت خطًّا عقائديًا , اختلطت فيه شُبَه الإرجاء , وتُرَّهات الصوفية بعقائد السنة! , وارتضت العمل من خلال النظم السياسية القائمة , والدخول في الانتخابات لمحاولة الوصول إلى الحكم , وقضية اعتماد العمل من خلال النظم القائمة - والدخول في الانتخابات - هي من أعقد القضايا التي نعت الاتجاهات الإسلامية الأخرى على الإخوان اعتمادها بحق أو بباطل , وهو ما لا محل للخوض في تفصيلاته , والفصل فيه في هذا المقام.

يتضح مما سبق أن الأمر ليس أمر تجنٍّ أو تعصب ضد جماعة بذاتها , وإنما هي حركة التاريخ , فرضت نفسها على الحركة الإسلامية في قاعدتها العريضة الممثلة في الإخوان آنذاك , فاستُبدلت - جزئيًا - تلك الحركة التي لم يواكب فكرها الحركي معطيات الواقع الحال , ولم يتطابق فكرها العقائدي ما كانت عليه عقيدة الإسلام في صفائها الأول دون شغب الإرجاء وتسيبه , بما ظهر من حركات جديدة , صحيحها وسقيمها , وكان أن تشكلت تلك الجماعات الإسلامية التي عاصرنا صعودها في السبعينيات , والتي وردت موارد فكرية وحركية ليست من موارد الإخوان في شئ.

ثم هناك كلمة أخيرة , أود أن أتجه بها إلى المتحاورين في هذا الأمر: أن اتقوا الله -سبحانه - واطلبوا الحق , وانشدوا الإنصاف , ولا تجعلوا الانتماء لجماعة أو مذهب أو التقدير لشخص من الأشخاص - مهما علا قدره - أو ما تلونت به التجربة الشخصية التي قد تُعجز المرء عن إدراك الصحة في قول المخالف , أقول: لا تدعوا هذه الأمور حائلًا بينكم وبين البحث عن الحق بلا هوى أو تعصب؛ فإن أحدهما - وإن إنفرد - هو الحالقة التي تحلق الإنصاف , وتشوه الحقائق.

والله سبحانه المستعان

[عن مجلة المنار الجديد/ عدد11]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت