فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 174

ولكن حماس لم تجتنب الطاغوت ولم تترك الحكم بغير ما أنزل الله وأعلنت عن ذلك مرارا وتكرارا وتبنت فكر الديمقراطية الذى يجعل المخلوق مشرعا من دون الله فلا شرع إلا ما شرعه المخلوق، ولا حكم إلا ما حكم به المخلوق، وقد نفى الله الإيمان عن أمثالهم فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} (النساء:60 - 61) .

يقول الأستاذ الشهيد - كما نحسبه - سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآيات: ألم تر إلى هذا العجب العاجب، قوم يزعمون الإيمان، ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟! قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ومن ثم فهو طاغوت، طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية، وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضًا!

وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن، إنما هم يعلمون يقينًا ويعرفون تمامًا، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه، وقد أمروا أن يكفروا به، فليس في الأمر جهالة ولا ظن، بل هو العمد والقصد، ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم، زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب.

{يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا} ، فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم، لعلهم يتنبهون فيرجعوا، ويكشفه للجماعة المسلمة، لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك.

ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله، ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا} .

يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري، وإلا ما كان نفاقًا، إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به، فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه، ثم دعي إلى هذا الذي آمن به، ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبىء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان!

وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله سبحانه أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله، ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله، بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت