ورغم بداهة الحاجة إلى الجماعة - شرعا وكونا - إلاّ أن حالة التخلف الفكري ومستوى الضعف النفسي اللذين تمر بهما الأمة هذه الأيام قد أوجدا لفقه التسيب رواجا كبيرا بين كثير ممن يؤثرون السلامة أو يغلّبون حب الذات، حتى أصبح الارتباط بالجماعة - في حس هؤلاء - مسألة مزاجية لا يفرضها واجب التدين، أو حالة موسمية خاضعة لأعراف المصالح الشخصية، فضاعت الجهود في البدايات، واستنزفت الطاقات في التآكلات، وبقي واقعنا المعاصر ...
كثُرٌ ولكنْ عَديد لا اعتداد بهِ جمعٌ ولكن بَديد غيرُ متسقِ
ولذلك كان لابد لمن صدق السير على الطريق من استحضار حقائق، نلخصها فيما يلي ...
أولا:
إن الجماعة استجابة للأمر الشرعي المباشر، قال عليه الصلاة والسلام: (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة) [1] .
وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .
قال الشوكاني رحمه الله: (أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام) [2] .
وقال عليه الصلاة والسلام: (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الإثْنَيْنِ أَبْعَدُ) [أحمد] ، وقال كذلك: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد) [الترمذي] .
قال ابن القيم: (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق وأَتْباعه وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا) [3] .
(1) الترمذي
(2) فتح القدير
(3) مدارج السالكين