الصفحة 54 من 70

إنه يحق لنا أن ننظر بجد وبصدق عن أسباب ذلّنا وهَوَاننا بعد عزنا وشرفنا، وانخفاضنا وانحطاطنا بعد علونا وسُمُوّنا، إنه يجبُ علينا أن ننظر بجد وبصدق لنعرف المرض الذي أنهكنا وقتلنا أوْكاد أن يقتلنا، دون أن نتعامى ونتصامم معصية خالقنا كما ذكرت هنا.

وإن مما ينبغي أن يُعلم أنه قد سبق وقتنا أوقات ذَلّ فيها المسلمون وهانوا ولكن كان هناك بقية ماضعفوا وما اسْتكانوا فكانوا مَوَازين للناس يُعرف بهم مهتديهم من ضالهم وليست لهم شارات وعلامات سوى"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"؛ بهم حفظ الله الإسلام وبهم قامت الحجة على من ضل من الأنام.

كذلك فإن ما نحن فيه من غربة الدين لا يشبه ما مضى من أوقات تغرّبه لكي ننظر في الدواء الذي عولجت به تلك الأمراض فَنَصِفها ونستعملها لتعود لنا الصحة والعافية، إن عِلَلنا لاتشبه تلك العِلل. وغربة الدين اليوم لم يسبق لها نظير تقاس به إذْ أن استقراء تأريخ الأمة عبر القرون الماضية يدلنا دلالة واضحة على أن مانحن فيه ليس له شبيه، وأنه التوْطئة للدجال.

وإن ملامسة الواقع هو أن تعلم أن كل مانعيشه في هذا الزمان دخيل على الإسلام غريب عليه مُنافِرٌ له غير ملائم، ولقد حُذّرنا ماوقعنا فيه لكننا لم نحذر، ولقد كانت البداية سهلة حتى توغّلنا فغرقنا فكنا كمن دخل البحر فهو بقربه من الساحل على سبيل نجاة لكنه لجَّج فغرق.

ليُعلم أن دائنا هو التشبه بالكفار، لأن عِزّ الإسلام مقرون بتفرده، وهذا التفرد ظاهر جلي في الرعيل الأول، وقد أُمِرَتِ الأمة بلزوم هذا الطريق، وأعظم ماجاءت به المخالفة هو في العلم وكوْنه صار مطلبًا دنيويًا مع خلطه بعلوم الكفار.

إن أمور الكفار لا تصلح للمسلمين لأنها تكوّنت على مقتضى عاداتهم وطبائعهم، وعلى مقتضى نظرهم للحياة الدنيا التي هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، فهي عندهم غاية بخلاف المسلمين الذين يعتقدون أن حياتهم الدنيا وسيلة وممرّ ومعبر لحياتهم الدائمة، فإذا تشبه المسلمون بهم أثّر ذلك فيهم آثارًا هي اليوم ظاهرة من الركون إلى الدنيا والإطمئنان إليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت