الصفحة 3 من 70

وأنا هنا لم أكلف نفسي الرد على ما قال المالكي، لأنه - ولله الحمد - لا يخفى على المسلمين، وتفنيده حافلة به كتب أهل السنة - سواء الكلام في التجسيم - وأنه أعظم ما يُشنع به الجهمية على أهل السنة، وأن إثباته ونفيه بدعة، حيث لم يرد الشرع بذلك، ولا بيان أن ما يثبته أهل السنة من الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة لا يقتضي التشبيه، وأنه هو المعتقد الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل وعليه جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة عليهم الصلاة والسلام أجمعين، فما نقمة الجهمية وأفراخهم على أهل السنة إلا كنقمة من قال الله عنهم: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} .

كل هذا في غاية البيان والوضوح في كتب أهل السنة ولله الحمد، وإنما المراد هنا الإشارة والتحذير، ولعل القوم يتداركون ما فرط منهم قبل أن يتولجوا في اللجج، فإن العَوْد إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

وما أبخس حظ من دافع عن الجهمية وحَمِدَ مسْلكهم، إنه يشعل نار الذنوب لتأكل روحه، فيظل بجسد خواء تكتنفه الوحشة وتعلوه الظلمة وتتناوب عليه الهموم والغموم، ووالله إن الأمر أعظم من ذلك، وهذا في الدنيا، أما الآخرة فإن عذاب الله شديد، {ويحذركم الله نفسه} .

إن أردت معرفة ذلك مجملًا؛ فاعلم أن تنزيه الجهمية المدَّعى إنما هو نفي صفات الجليل، وهو أسرع وأوسع طريق موصل للتعطيل، إنه طمْس المعرفة بالمعبود سبحانه، لقد فرغ أئمة أهل السنة من هذه التركة الإبليسية وبيّنوا أمرها وشأنها، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} ، قالوا: (إن نهاية الجهمية أن ليس فوق العرش إله يُعبد) ، وهذه والله هي الحقيقة، يعرف ذلك من جادلهم أو اطلع على كلامهم أو كلام أهل السنة فيهم.

لقد أوْحشهم الشيطان غاية الوحشة أن يثبتوا لله سبحانه صفاته، خشية التجسيم - بزعمهم - حتى قادهم بسهولة إلى التعطيل، حيث أنهم يثبتون ذاتًا مجردة عن الصفات.

وقد ذكر أهل السنة - وصدقوا - أن هذه الذات المزعومة لا يمكن وجودها إطلاقًا، لأن كل موجود لابد له من صفة، أما الذات المجردة من الصفات ففي الأذهان وليست في الأعيان، فتأمل هذا فإنه يجمع لك ما تشعب وتشتت من مذهبهم، إنهم يعبدون العدم، {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه} .

نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، ومن الضلال بعد الهدى.

* كتبتها في عام 1420هـ.

[2] النقيدان يزعم في كلام نشره في جريدته أن حديث الصورة يناقض قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وهذا مشرب الجهمية.

[3] فهو يرى أن اثبات اليد تجسيم، موسى هو الذي مسند ظهره على الصخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت