الصفحة 2 من 70

وطعن في جلوس الرب سبحانه على الكرسي، وأن له مكان، وأنه إذا تكلم سُمع له صوت كالسلسلة على الصفوان، ووضع يديه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول الرب، وأنه خلق آدم على صورته هو.

إنه يختار هذه الآثار التي فيها إثبات الصفات فيتكلم فيها بالطعن والتجريح، من أجل خاطر الجعد والجهم.

ومن طعنه على أهل السنة وتهكمه وسخريته بهم؛ أوْرد ما ذكره ابن الجوزي عن بعض الحنابلة، يقول: (صَنّف بعض الحنابلة كتبًا شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمّوا لله صورة، ووجهًا زائدًا على الذات، وعينين، وفمًا، ولَهَوَات، وأضراسًا، ويدين، وأصابع، وكفًّا، وخنصرًا، وإبهامًا، وصدرًا، وفخذًا، وساقين، ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، ثم يتحرّجون من التشبيه، ويقولون: نحن أهل السنة والجماعة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام ... إلى آخره) .

هذا الذي ذكره ابن الجوزي؛ ليس كله صحيحًا مما يثبته أهل السنة ولا كله باطل، وهو تشنيع منه لمثبتة الصفات حيث تعرّض هو لنفيها، وقد بينت ذلك في"الرد على السقاف"، لكن ابن الجوزي مرة يثبت الصفات ومرة ينفيها، ولا يُعتمد عليه في هذا، ويكفي تشنيعه هنا، والمراد المالكي أوْرد كلام ابن الجوزي ليشنع على أهل السنة.

وإثباتهم للصفات الواردة في الكتاب والسنة؛ أشهر من أن يذكر، ولا يلزم من هذا التشبيه، ولا يلزم ألا يغلط بعضهم، إنما الشأن فيما اشتهر وانتشر وضبُط من مذهبهم فهو - ولله الحمد - مدوّن مبيّن وليس فيه مطعن لمبطل.

ومِنْ طعن المالكي على أهل السنة، الذي لابد أن يقارنه الدفاع عن الجهمية، قوله: (كذلك يذمون السلطان إذا آذى أحد أتباعهم، ويقولون: هذا سلطان سوء، وينسون كل فضائله، كما فعلوا بالمأمون، لكن إذا جاء سلطان آخر معهم؛ يمدحونه، ولو كان مبتدعًا أو ظالمًا، كالمتوكل) ، وقد تقدم كلام"النقيدان"عن المأمون، فالمشرب واحد.

ويقول في مسبته لأهل السنة ودفاعه عن الجهمية: (من الأشياء افتراؤهم على الخصوم؛ مثل زعمهم أن جهم بن صفوان يريد أن يمحو آية {الرحمن على العرش استوى} ، هذه صعبة، رجل مسلم، ما أظن مهما بلغ من البدعة أن يصل إلى أنه يتمنى أن يحك آية من المصحف الشريف، كل هذه أقوال الخصوم) .

ويقول: (إذا جاء الجهمية - على افتراض صحة ما يُنقل عنهم - ونفوا الصفات نأتي نحن ونثبت إلى أن نصل إلى التجسيم) .

أنظر قوله: (على افتراض صحة ما يُنقل عنهم) ، يعني الجهمية يُشكك فيما ينقل عنهم، ثم يزعم أن أهل السنة يصلون إلى التجسيم، وسبق كلامه على حديث الصورة، وعلى كلام الرب سبحانه وصوته، وغير ذلك مما فيه إثبات الصفات، فهذه أنفاس الجهمية.

وكيف يقول عن أهل السنة الذين يثبتون صفات الباري سبحانه كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، بلا تشبيه ولا تعطيل، يقول: (يصلون إلى التجسيم) ؟! وما هو التجسيم؟ إنها شناعة أحدثها الجهمية للتنفير من السنة وأهلها.

ثم قال: (لنترك الانتسابات التي تفرقنا شيعًا، فلا شرعية لكلمة شيعة ولا سنة ولا جهمية ولا سلفية ولا معتزلة كشرعية الإسلام، ولم يأت نص باستحباب أي تسمية أخرى، ومن زعم ذلك فعليه الدليل) .

تأمل كيف طمّ الوادي، فهذه الفرق عنده مجرد انتسابات وتسميات، وليس هناك فرق ولا نص باستحباب أي تسمية أخرى، ومعنى كلامه؛ الطعن على أهل السنة، وكأن المسألة مجرد تسمية، أما تقريرهم السنة الحقة وردهم ما سواها وتمييزهم لفرق الضلال؛ فهذا يطعن فيه المالكي ويرده.

ويقول في مسألة خلق القرآن: (ليست من الأصول، بل هي مسألة فرعية) .

أقول: هذه ملامح جهمية تبدو في الأفق، كفى الله المسلمين شرها.

إن الدين النصيحة، فلعل هؤلاء يعودون إلى رشدهم ويَدَعون التمادي في الضلالة، فيسعهم ما وسع أئمة المسلمين وعلمائهم، ولا يُسيئون بهم الظن كل هذه الإساءة، ولا يدافعون عن الجهمية الذين اتفق على تكفيرهم خمسمائة عالم من علماء أهل السنة، ويعرفوا قدر نفوسهم، وإلا فضررهم عائد عليهم ويحملون من سيئات من أضلوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت