وأخيرا لا بد من التعرض لما قام به د. شلبي لاستقراء معاني العلة في إطلاقات الفقهاء، وكلامه هذا يُعدُّ من وجهة نظري أدقُّ كلام قيل في المراد بالعلة في لغة الأصوليين، قال شلبي:
(( لفظة العلة أطلقت في لسان أهل الاصطلاح على أمور:
الأمر الأول: ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر، مثل ما يترتب على الزنا من اختلاط الأنساب، وما يترتب على القتل من ضياع النفوس وإهدارها، وما يترتب على البيع الذي هو مبادلة مال بمال من نفع كل من المتبادلين، ودفع الحرج والمشقة عنهما لو لم يتبادلا.
الأمر الثاني: ما يترتب على تشريع الحكم من [جلب] مصلحة، أو دفع مفسدة، كالذي يترتب على البيع من تحصيل النفع السابق، وما يترتب على تحريم الزنا والقتل وشرع القصاص من حفظ الأنساب والنفوس.
الأمر الثالث: وهو الوصف الظاهر المنضبط، الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة العباد، كنفس الزنا والقتل، ولفظي الإيجاب والقبول بعت واشتريت.
فإنه يصح تسمية هذه الأمور الثلاثة بالعلة، فيقال: علة نقل الملك وإباحة الانتفاع في البيع هو الإيجاب والقبول، أو ما فيه من نفع، أو دفع الحرج والضيق والمشقة، ويقال: علة وجوب القصاص هي نفس القتل أو ما فيه من ضرر وهو إهدار الدماء، أو دفع العدوان وحفظ النفوس. ولكن أهل الاصطلاح فيما بعد خَصُّوا الأوصاف باسم العلة، وإن قالوا: إنها علة مجازا لأنها ضابطة للعلة الحقيقية، وسَمَّوا ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر حكمة، مع اعترافهم بأنها العلة على الحقيقة، وسَمَّوا ما يترتب على التشريع من منفعة أو دفع مضرة بالمصلحة، أو مقصد الشارع من التشريع، وبعضهم أطلق عليه لفظ الحكمة، كما إنهم قالوا: إنه العلة الغائية )) [1] .
وأهم ما في هذا الاستقراء هو تمييزه بين (( ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر ) )وبين (( ما يترتب على تشريع الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة ) )فالمقصود بالأول هو الوصف المتضمن في (( الفعل ) )الذي هو متعلَّق الحكم، والمقصود بالثاني هو غرض الشارع جلبا أو دفعا، فالمشقة التي في السفر وصف متضمن ودفع هذه المشقة هو الغرض.
(1) شلبي، تعليل الأحكام، ص 13.