الصفحة 52 من 69

وبهذا نستطيع القول بأن العلة الغرضية هي الموجِد الحقيقي والأوَّلي للحكم ولكن لا مباشرة وإنما بعد توسط الإرادة ثم الخطاب. أما العلة السببية التي تتمثَّل بالسفر في المثال المطروح فليس لها دخلٌ بإيجاد الحكم على التحقيق وإنما الحكمُ مُوجَدٌ عندها، ولذا جرى وصفُها من قِبَلِ كثيرٍ من الأصوليين بأنها العلامة على الحكم، وما هذا إلا لأنها غير منتجة للحكم، بل جرى إيجاد الحكم عندها لا بها، وإنما بالعلة الغرضية ثم إرادة الشارع والخطاب كما أسلفنا. ولكن لما كانت هذه العلة ظاهرة، واقترن الحكم بها، وقد شُرع بهدف علاجها نُسِبَ إيجادُه إليها. وهي نسبة مجازية لا حقيقية. وما قلناه عن العلة السببية ينطبق كذلك على العلة بمعنى الوصف المتضمن فهذه العلة أيضا ليست مُوجِدةً للحكم حقيقة بل مجازا، والحكم مُوجَدٌ عندها لا بها. والفرق بينها وبين السبب هو أنها أدقُّ في التعبير عن الوصف الذي شُرع الحكم عنده، إذ السبب بجملته قد يشتمل على أوصافٍ عدة اقترنت طردا بالحكم ولا علاقة لها به، فجاءت العلة بمعنى الوصف المتضمن لتكشف عن الوصف الحقيقي الذي اشتمل عليه السبب مما جعل الشارع يقرن الحكم بهذا السبب، وفي الوقوف على هذا الوصْف تحديدًا فوائدُ اجتهاديَّةٌ متعدِّدة كإمكانية القياس في الأسباب، وإمكانية التأثير على النص والحكم توسيعا وتضييقا بل وتوقيفا مؤقَّتًا في بعض الأحيان، وليس هذا هو مجال الخوض في شرح هذه المناحي الاجتهادية.

ج. الفُرُوق بين العِلل الثلاث:

وسوف نشير إلى أهمِّ هذه الفروق في هذه النِّقاط:

1.الفرق بين السبب والغرض.

2.الفرق بين السبب والوصف المتضمن.

3.الفرق بين الغرض والوصف المتضمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت