الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمنذ كتابتي رسالة الماجستير (( أثر تعليل النص في دلالته ) )ـ وذلك قبل نحو عشر سنوات خلت ـ ومعنى العلة الأصولية مضطَّرب ينتابه الغموض في ذهني. نعم وقفت على إبداعات الإمام الغزالي في الكشف عن معاني العلة في (( شفاء الغليل ) )و (( المستصفى ) )، وكذا وقفت على ما سكبه الأستاذ شلبي من عصارة ذهنه على واسع جهده واستقرائه، مسطِّرا ذلك كله في كتابه (( تعليل الأحكام ) )الذي يستحق بجدارة لقب (( الفتح الأصولي المعاصر ) ). لكنَّ هذا كلَّه لم يكن ليقشع كلَّ غيوم الغموض الملتفة حول معنى العلة في ذهني، لذلك اكتفيت في (( أثر تعليل النص في دلالته ) )بعرض جانبٍ من التعريفات الأصولية للعلة، منتقدا ما أثاره الأصوليون من جدل متكلَّفٍ حول هذه التعريفات، ومبيِّنا أسباب ذلك على نحو مقتضب.
ولأن هذا لم يكن ليقنعَني ويثلج صدري فقد شرعت منذ يومئذ في بحثٍ لتحقيق معنى العلة. وبمضي الوقت انتابني الكسل والانشغال إلى أن استجمعت طاقتي البحثية مرة أخرى أثناء كتابتي بحث الدكتوراه الذي عنونته بـ (( القرائن المحتفة بالنص وأثرها في دلالته ) )حيث احتجت إلى أن أعرِّف بالعلة، لأنها من أهم القرائن المؤثرة في دلالة النص. وإني وإن ارتقيت في هذه المرحلة عن درجة التقليد إلى مرحلة الإبداع، إلا أني أعترف بأن دراستي لمعنى العلة إذ ذاك لم تكن ناضجةً تماما، ربما لأن العلة لم تكن موضوعا جوهريا في البحث؛ إذ كانت الرسالة مُكرَّسةً لوضعِ إطارِ نظريَّةٍ عامة في القرائن الأصولية أكثر من الانشغال بتحقيق معاني القرائن الجزئية كالعلة وغيرها.
ومنذ بداية هذا العام (2006 م) ، وتفاعلًا مع الصَّخَب العلمي القائم حول علاقة المصالح بالنصوص، والاجتهاد المقاصدي، رأيت أن أشرع بتأليف كتاب أضمِّنه حصيلة أفكاري الأصولية في هذا الشأن. وحينئذٍ وجدتُّ نفسي مضطَّرا من جديد إلى أن أعود إلى خوض غمار البحث في العلة، فنظرت في مسوَّداتي مرة أخرى ولملمت