أفكاري قديمها وجديدها فكان هذا البحث الذي يُعَدُّ المحاولة الثالثة لي للكلام حول معنى العلة، والتي آمُل أن تكون ثالثة الأثافي.
لماذا العلة؟ ... أَوَيَحْتاج هذا المصطلح الشائع الدارج إلى تحقيق؟!
الجواب ـ بكل بساطة ـ نعم؛ وذلك لسببين:
أحدهما: الأهمية البالغة لهذا المصطلح. فأصول الفقه شطران أساسان: النص والعلة، أو قل: نظرية النص، ونظرية العلة. في نظرية النص تندرج كل مباحث الأدلة النصية كالكتاب والسنة والإجماع، مع ما يتبع ذلك من دلالات الألفاظ وأقسامها، وفي نظرية العلة تندرج كل الأدلة الاجتهادية كالقياس والاستحسان والذرائع والمصالح وغير ذلك من أنماط الاجتهاد بالرأي. وعلى هذا فتحقيق مصطلح العلة ضروريٌّ جدا لأنها الأساس الذي تبنى عليه جُلَّ مسائل الاجتهاد بالرأي. وفي العصر الحالي اكتسبت العلةُ مزيدَ أهمية على أهميتها، وذلك بسبب شيوع البحث في المقاصد والمصالح، والنظر إلى هذا الميدان الأصولي على أنه الحلّ السحري الذي سَيُمكِّن حملة الشريعة من مواجهة التحدِّيات الاجتهادية والتشريعية الراهنة.
والسبب الثاني: أنَّ العلة مصطلحٌ أصولي شائك مثيرٌ للبلابل والقلاقل، بل يمكنني الزَّعم بأنه ليس ثمة مصطلحٌ أصولي أثار بسبب اضطرابه واشتراكه من المسائل الوهمية والنِّزاعات اللفظية أكثرَ مما فعله مصطلح العلة.
وفيما يلي بعض شواهد هذه الدعوى من كلام الأصوليين:
قال ابن السبكي معلِّلا إفراد صاحب المنهاج العلة بفصل مقدَّمٍ على باقي أركان القياس:
(( إنما أفرد بيان العلة بفصل مقدم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما:
• لكثرة تشعُّب الآراء عندها،
• وعِظَم موقعها،
• وتشتُّت المباحث فيها )) [1] .
وقال الغزالي بعد الكشف عن سبب الخلاف في العلة القاصرة:
(1) السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ج 3، ص 39.