العقلية والطبيعية عن التشريع لأنه ذو علل جعلية، وإنما الخلاف في نفي العلَّة الغرضية بين الظاهرية من جهة وبين جمهور القائسين من جهة أخرى [1] .
ومن الذين وضعوا حدَّا للخلط بين معاني العلة المختلفة الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، حين أفصح عن اصطلاحه الخاص في العلة والسبب قائلا:
(( وإذ ذُكر اصطلاح هذا الكتاب في الشَّرط فليُذكر اصطلاحه في السَّبب والعلة ...
فأما السبب فالمراد به ما وُضِع شرعا لحكْمٍ لحكمةٍ يقتضيها ذلك الحكم، كما كان حصول النِّصاب سببًا في وجوب الزكاة، والزوال سببًا في وجوب الصلاة، والسَّرقة سببًا في وجوب القطع، والعقود أسبابا في إباحة الانتفاع أو انتقال الأملاك وما أشبه ذلك.
وأما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة والمفاسد التي تعلقت بها النواهي، فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة.
فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة، وكذلك نقول في قوله، عليه الصلاة والسلام: (( لا يقضي القاضي وهو غضبان ) )فالغضب سبب، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنَّه قد يُطلق هنا لفظ السَّبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مُشاحَّة في الاصطِلاح )) [2] .
وكلام الشاطبي هذا غاية في الإتقان، وليت غيره من الأصوليين حدَّدوا منذ البداية مرادهم بالعلة والسبب كما فعل هو. ومع هذا، يؤخذ على اصطلاح الشاطبي خلطه بين العلة بمعنى الوصف المتضمن والعلة بمعنى الغرض، فإنه وإن كان التفريق بينهما غير ذي فائدة كبيرة فيما يتعلق بالعلل المناسبة كالمشقة ودفع المشقة وتشويش الخاطر ودفع تشويش الخاطر، وهي الأمثلة التي طرحها الشاطبي، إلا أنه لا بد منه فيما يتعلق بالعلل الشبهية كالطعم والثمنية فمثل هذه العلل لا مكان لها في التقسيم الثُّنائي الذي ذهب إليه الشاطبي.
(1) يجدر بنا التنبيه هاهنا أن الأشاعرة وإن نفوا الغرض تماما كابن حزم، وبالأدلة العقلية نفسها، إلا أن نفي الغرض عندهم انصب على ما يشي به من البعث والقهر، أما من حيث ابتناء الشريعة على المصالح فهم مقرون بذلك وقوعا لا وجوبا كما سبق أن قلنا، ولذلك فهم قائلون بالقياس وبكل ما ينبني على التعليل من مباحث أصولية بخلاف ابن حزم.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 265.