الصفحة 61 من 69

وأما الغرض فهو الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده ويفعله وهو بعد الفعل ضرورة. فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته، وإزالة الشيء هي شيء غير وجوده، وإزالة الغضب غير الغضب، والغضب هو السبب في الانتصار، وإزالة الغضب هو الغرض في الانتصار، فصحَّ أنَّ كل معنى مما ذكرنا غير المعنى الآخر، فالانتصار بين الغضب وبين إزالته وهو مُسَبَّب للغضب، وإذهاب الغضب هو الغرض منه.

وأما العلامة فهي صفة يتفق عليها الإنسانان فإذا رآها أحدهما علم الأمر الذي اتفقا عليه ....

فلما كانت هذه المعاني المسمَّاة ... التي ذكرنا مختلفة متغايرة، كلُّ واحد منها غير الآخر، وكانت كلها مختلفة الحدود والمراتب، وجب أن يُطلق على كل واحد منها اسمٌ غير الاسم الذي لغيره منها؛ ليقع الفهم واضحا؛ ولئلا تختلط فيُسمَّى بعضها باسم آخر منها، فيوجب ذلك وضع معنى في غير موضعه فَتَبْطُلُ الحقائق )) [1] .

في هذا الكلام يبيِّن ابن حزم اصطلاحَه في العلة والسبب والغرض والعلامة نفيا للخلط الواقع بينها في لغة الفقهاء.

أما العلة فهي اسم عنده للعلة العقلية أو الطبيعية التي توجب الشيء إيجابا ضروريا. وهذا النوع من العلل لا مكان له في تعليل الأحكام فلا حاجة للكلام فيه.

وأما السبب، فهو اسم للعلة الموجبة الجعلية. وهذا هو ما أطلقنا عليه العلة السببية مثل القتل الموجب للقصاص، والسفر الموجب للإفطار ... الخ.

وأما الغرض، فهو نفسه ما أطلقنا عليه العلة الغرضية، وهو يمثل جلب أو دفع المصلحة أو المفسدة المقصود من تشريع الحكم، ومثاله دفع الإسكار المستهدف من تحريم الخمر.

وأما العلامة، فهي العلامة المحضة عند الفقهاء التي لا مدخل فيها للإيجاب كالأذان بالنسبة للصلاة.

والذي دفع ابن حزم إلى هذا التفريق بين العلة والسبب والغرض والعلامة، هو أنه يقر بالسبب والعلامة في الشريعة بينما ينفي العلة والغرض. ولا خلاف في نفي العلة

(1) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 8، ص 564.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت