أحدهما: العلة السببية إذا لم تكن مناسبة للحكم كالدلوك بالنسبة لوجوب الظهر.
والثاني: العلة بمعنى الوصف المتضمَّن إذا لم تكن مناسبة كالطعم والثَّمنية بالنسبة لتحريم ربا الفضل.
ثالثا: العلة الموجبة إذا كانت مناسبة، وهي العلة السببية المناسبة، كالقتل بالنسبة لإيجاب القصاص.
ومما نأخذه على تفصيل الغزالي هذا:
أولا: إغفاله العلة بمعنى الوصف المتضمَّن كإطلاق مستقلٍّ للعلة يتميَّز بخصائص فريدة.
ثانيا: فصله العلة السببية غير المناسبة عن العلة السببية المناسبة. وقد كان الأولى ضمَّهما تحت إطلاق واحد ثم تقسيمهما بعدُ، كما فعل جمهور الأصوليين في تقسيمهم السبب إلى مناسب وغير مناسب.
ثالثا: إذا كان قصدُ الغزالي بالعلة المعرِّفة غير المناسبة هو العِللَ الشبهيةَ ـ كعلة ربا الفضل ـ فحسب، فهذا ناجم عن عدم الالتفات إلى العلة بمعنى الوصف المتضمن حيث تشكِّل العلل الشبهية أحد قسميها.
رابعا: وهو مأخذ منهجي لا موضوعي، أن الغزالي لم يضع تفصيله هذا في بداية بحث العلة بل طرحه أثناء بحثه مسائلَ خاصَّة بالعلة كمسألة تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومسألة العلة القاصرة، وقد كان من الأَوْلى منهجيًّا أن تُعرَّفَ العلة في بداية الكلام عليها، منعا للإشكالات الكثيرة التي قد تترتب على الغفلة عن التمييز بين معانيها كما أشار إلى ذلك الغزالي نفسه.
ويُعدُّ ابن حزم أيضا من الذين نبَّهوا وتنبهوا إلى المعاني المتعددة التي تُطلق عليها العلة، خاصًَّا كل معنى منها باسم خاص فقال:
(( إن العلة هي اسم لكل صفة توجب أمرا ما إيجابا ضروريا. والعلة لا تفارق المعلول البتة ككون النار علة الإحراق، والثلج علة التبريد الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلا وليس أحدهما قبل الثاني أصلا ولا بعده.
وأما السبب فهو كل أمر فعل المختار فعلا من أجله لو شاء لم يفعله، كغضب أدَّى إلى انتصار فالغضب سبب الانتصار ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبا للشيء المسبَّب منه ضرورة وهو قبل الفعل المتسبَّب منه ولا بدّ.