هذا، وإن كنا لا ننكر أنه يمكن ـ مع نوع من التأويل ـ تعميم بعض هذه التعريفات لتشمل العلة بأشكالها الثلاث، إلا أن هذا في نهاية المطاف لا يخدم البحث الأصولي كثيرا، بل يوقعه ـ كما هو الحاصل فعلا ـ في شَرَكِ الخلط بين معاني العلة المختلفة مما أنشب كثيرا من النزاعات الأصولية في مسائل العلةِ والتَّعليل نتيجةً لعدم التوافق ـ منذ البداية ـ على نوع العلة محلِّ البحث هل هي الغرضية أو السببية أو الوصف المتضمن.
المنهج الثاني: المَنْهَجُ المُعَدِّد، أي الذي فَطِنَ إلى المعاني المختلفة للعلة، وأطلق على كلِّ معنى تعريفًا بحَسَبِه. ولعلَّ الغزالي هو أبرز من يمثِّل هذا المنهج. حيث ذكر في أكثر من موطن بأن العلة ترد بثلاثة معان. ومن أبرز ما قال في ذلك:
(( أطلق الفقهاء اسم العلة على ثلاثة معانٍ متباينة، من لم يعرف تباينها اشتبه عليه معظم أحكام العلل ) ) [1] . ثم ذكر الغزاليًّ هذه المعاني الثلاثة فقال:
(( أحدها: تسميتهم البواعث والدواعي إلى الفعل: علة الفعل، وهو المسمى مناسبًا في لسانهم. وعلى هذا التقدير، ليس يبعد ـ في قضية العقل ـ تعدُّد البواعث وترادفها على الشيء الواحد. هذا من حيث التجويز العقلي. كمن يعطي الفقير لفقره، وقد يعطي القريب أيضا لقرابته، فيكون كل واحد باعثا على الإعطاء وداعيا إليه ....
المأخذ الثاني: العلامات المعرِّفة التي لا تناسب ولا تدعو، وإن كان يُتَصوَّر أن تتضمَّن مناسبا لا نطلع عليه. فهذا قد يسميه الفقيه علة، على معنى أن الحكم يظهر في حق المتعبِّد بوجوده
المأخذ الثالث للعلة: أن يكون الشيء موجبا، كالزنا للرجم، والقتل للقصاص، والسرقة للقطع. إلى غير ذلك من الأسباب التي عُقِلَ جَعْلُ الشرع إياها موجبة، ولم تُعقل الأحكام بأنفسها منفصلة بل عُقل كونها موجبة للأسباب، وكون الأسباب موجبة لها )) [2] .
وفي هذا يفرِّق الغزالي بين ثلاثة أنواع من العلل:
أولا: العلة الباعثة وهي العلة الغرضية، كدفع السكر بالنسبة لتحريم الخمر.
ثانيا: العلة المعرِّفة، وهذه تصلح لنوعين من العلل:
(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 515.
(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص 515.