الصفحة 58 من 69

وانطلاقا من هذا لم ينكر الأشاعرة القياس ولا المناسبة كما فعل الظاهرية، ولهذا أيضا ذهب الرازي في كتابه (( الرسالة البهائية ) )إلى تعريف العلة بأنها الموجب للحكم مضيفا إليها القيد (( بالعادة ) )قائلا بأن العلة هي: (( الموجب بالعادة ) ) [1] . أي أن عادة الشرع هي التي اقتضت شرع الأحكام على وفق العلل. وبهذا يحاول الرازي أن يوفِّق بين القول بنفي الأغراض والقول باشتمال الأحكام على المصالح، لأن هذا الاشتمال إنما هو عادة شرعية وليس ثمة بعث أو إيجاب على الشارع بأن يشرع الأحكام على وفق هذه المصالح.

الاتجاه الثالث: تعريف العلة بأنها المعرِّف للحكم أو العلامة على الحكم، ولعل الصيرفي (ت 330 ه‍ (هو أول من ذهب إلى هذا التعريف وهو بصدد التفريق بين العلة العقلية والعلة الشرعية [2] ، وأما أعظم أنصار هذا التعريف على الإطلاق فهو الرازي في محصوله حيث نَصَرَ ـ بدوافع مذهبية كلامية ـ هذا التعريف وأبطل كلَّ تعريف سواه [3] . وهذا التعريف وإن كان يحدِّد وصفا لازما للعلة لا سيما العلة السببية، وهو كونها تعريفية، إلا أنه يتجاهل أوصافا أخرى لها ككونها جالبة ومقتضية للحكم، وهي في هذا تختلف عن العلامة المحضة، فأذان الظهر مثلًا علامة على دخول الوقت ووجوب الصلاة لكنَّه ليس مقتضيا ولا سببا في الوجوب بل السبب المقتضي لذلك هو دلوك الشمس، وما الأذان إلا علامة محضة على هذا الدلوك.

الاتجاه الرابع: تعريف العلة بأنها الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من تشريع الحكم عنده جلب مصلحة أو دفع مفسدة [4] ، وهو تعريف صادق على العلة السببية وقد يصدق أحيانا على الوصف المتضمَّن لكنه لا يصلح للعلة الغرضية.

هذه هي أهم المناحي الاجتهادية في تعريف العلة عند أصحاب المنهج الموحِّد من الأصوليين، وأقوى نقدٍ يُوجَّه إلى هذا المنهج بشتى اتجاهاته هو كونه غفل أو تغافل عن حقيقة التباين بين مفاهيم العلة لا سيَّما العلة بمعنى الغرض والعلة بمعنى السبب.

(1) نقله، الزركشي، البحر المحيط، ج 7، ص 145.

(2) نقله، الزركشي، البحر المحيط، ج 7، ص 145.

(3) الرازي، المحصول، ج 5، ص 179. وفي شرحه على المحصول أجاب الأصفهاني عن كافَّة الإشكالات التي أثارها الرازي حول التعليل بالأغراض.

(4) ابن أمير حاج، التقرير والتحبير شرح التحرير، ج 3، ص 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت