الصفحة 57 من 69

ولن ندرك هذا الكلام إلا إذا فقهنا حقيقة ما ذهب إليه كثيرٌ من الأشاعرة في تعليل الأحكام، فهم إذ ينفون تعليل الأحكام بالمصالح لا ينكرون اشتمالَ الأحكام على هذه المصالح، وجريَها على وفقها؛ لأنَّ هذا مكابرةٌ يبطلها الاستقراء [1] . وإنما ينكرون أن تكون هذه المصالح هي التي بعثت الشارع على شرع هذه الأحكام أو أوجبت عليه ذلك. وعليه فاشتمال الأحكام على المصالح على رأي هؤلاء إنما كان اتَّفاقا ووقوعًا لا بعثا وإيجابا. قال الآمدي مفصحا عن هذا الرأي:

(( إن أئمة الفقه مُجْمِعَةٌ على أنَّ أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتِّفاق والوقوع لا الوجوب كقول أصحابنا ) ) [2] .

وقال ابن التلمساني موضِّحا وجهة نظر الأشاعرة في نفي الغرض:

(( لفظ الغرض لا نطلقه على الله تعالى، فإنه يسبق إلى الفهم منه ما هو مقرَّرٌ في الشاهد، وهو أن العاقل إذا علم أو اعتقد أن للفعل سرورا ولذة في نفسه أو ما إلى ذلك، ترتب عليه ميله للفعل بما جُبِل عليه من الميل إلى الموافق، وترتب عليه همه وقصده إلى الفعل، وإذا علم أو اعتقد أنه غمٌّ أو ألم في نفسه أو سببٌ لذلك فرَّ عنه، فكان ذلك سببا لترتب قصد الانكفاف عنه، فيكون ترجيح العبد للفعل أو الترك مبنيا على النفع والضر، والباري تعالى يتنزه عن ذلك، فالغرض لفظ موهمٌ لم يرد به شرع، فلا نطلقه. فإذا تقرر ذلك، فيُقال له: [أي النافي للغرض عن فعل الله تعالى] إن أريد بالغرض هذا، وأنَّ فعل الله يتوقف على ذلك فمسلَّمٌ بطلانه، وإن أريد أنه سبحانه إذا كان عالما في أزله، أنه إذا خلق الليل والنهار للسكون والمعاش، نعمة منه، وأنه إذا أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، والنخل والزرع مختلفا أكله للاعتبار والأكل، فأوجده لهذه الحكمة، كما أشار إليه في كتابه العزيز إلى غير ذلك، وأنه إذا شرع القصاص لنا حياة وحرَّم الخمر حفظا للعقول والزنا لاختلاط الأنساب فمن أين يلزم منه قِدَمُ الفعل؟ أو التسلسل في الحوادث؟ وإنما الشَّناعة في تسمية هذا غرضا ) ) [3] .

(1) ولذلك قال الشاطبي عندما دلَّل على تعليل الأحكام: (( والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرَّازيُّ ولا غيره ) ). الموافقات، ج 2، ص 6.

(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 316.

(3) ابن التلمساني، شرح المعالم في أصول الفقه، ج 2، ص 297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت