الأول: التفريق بين العلة العقلية والعلة الشرعية، من حيث إن الشرعية مجعولة وموضوعة لا ذاتية ولازمة كالعقلية.
والثاني: وهو مترتِّبٌ على الأول، التخلُّص، إلى حدٍّ ما، من مذهب المعتزلة بوجوب الصلاح عليه سبحانه؛ لأن الجعل يدل على الاختيار الإلهي بعكس القهر اللازم عن الإيجاب الذاتي كما هو مذهب المعتزلة. وبهذا يصبح الحكم على الأشياء على وفق العلل والمصالح واجبا على الله تعالى بجعله وإيجابه هو ذلك على نفسه كما في قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (الأنعام:12) ، و {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم:47) ، و {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (مريم:71) ، و {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ... } (النساء:17) ، وغير ذلك من الإيجابات التي أخبر سبحانه وتعالى بإيجابها على نفسه.
والثالث: تمييز العلة عن العلامة المحضة حيث إن العلة لها ـ بالإضافة إلى الاقتران بالحكم ـ نوعُ تأثيرٍ وإيجابٍ له بخلاف العلامة المحضة التي ليس لها أيُّ حظٍّ في التأثير والإيجاب للحكم بل هي مقارنة له فحسب.
ولأجل هذا، فإن ما قاله الهندي عن تعريف الغزالي هذا بأنه (( قريبٌ لا بأس به ) ) [1] ليس قريبًا وبه بأس، لأنه غَمْطٌ لحقِّ هذا التعريف وحَطٌّ من قدْره فيما نرى.
الاتجاه الثاني: تعريف العلة بأنها الباعث على الحكم أو الداعي له. ومن أشدِّ أنصار هذا التعريف الآمدي حيث صرح بأنه (( لا بُدَّ وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث، أي: مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم ) ) [2] .
فإن قيل: كيف يقول الآمدي بالباعث مع أنه من النافين ـ كباقي الأشاعرة ـ للغرض عن الباري عز وجل؟!
فالجواب هو أنَّ الآمدي لم يصرِّح بأن العلة هي الباعث، وإنما قال: إنها لا بد أن تكون بمعنى الباعث. فهي ليست باعثا وإنما بمعنى الباعث فقط، أي أنها تشبه الباعث الذي يكون في الأفعال البشرية.
(1) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 145.
(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 224.