الأشاعرة وهم الغالبية العظمى من الأصوليين. وكذا كثر جدلهم حول تعريف العلة بأنها الباعث على الحكم؛ لاستلزام هذا القول نسبة الأغراض إليه سبحانه. وهو أيضا ما يرفضه الأشاعرة رفضا قاطعا. وكذلك كانوا حريصين أثناء تعريفهم للعلة على التفريق بين العلة العقلية والعلة الشرعية من حيث إن الأولى لا تنفك عن حكمها بخلاف الثانية، وإن الأولى يُدرك استلزامها لحكمها عقلا والثانية شرعا. وهذا ما دفع بعضَهم إلى تعريف العلة الشرعية أو وصفها بأنها الأمارة أو العلامة على الحكم تمييزا لها عن العلة العقلية. ولعلَّ هذا إنما كان لتجنُّبِ مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، أو حتى لمجرَّد طغيان التأثير الكلامي؛ لأن من اشتغل بعلمٍ ما اشتغالا عظيما ثم انتقل إلى آخرَ لا بدَّ أن يحاول واعيًا أو غير واعٍ المزجَ بين العلمين كلما ظهرت مناسبة تستدعي ذلك.
ولهذا المنهج الذي أسميناه بالمُوحِّد ترجيحاتٌ مختلفة لمعنى العلة، يمكن تصنيفها ضمن أربع اتجاهات:
الاتجاه الأول: تعريف العلة بأنها: المعنى الموجب للحكم، أو المؤثِّر في الحكم، وقريبٌ منهما تعريفها بأنها: المقتضي للحكم. ويُنسب هذا التعريف إلى المعتزلة، وهو يَشِي بمذهب وجوب الصلاح عليه سبحانه وتعالى، لذلك فقد واجهَ رفضًا من قِبَل أكثر الأشاعرة. والذي نراه هو أنَّ هذا التعريف ليس صريحا في استلزام مذهب وجوب الصلاح، إلا على تفسيره بأن العلة هي الموجب للحكم في حق الله تعالى، أي أن وجود العلة في فعل من الأفعال أوجب على الله تعالى أن يحكم بما يناسب هذه العلة جلبًا أو دفعًا. ولكنَّ هذا التأويل ليس بمتعيِّن إذ يمكن فهم التعريف على أن العلة هي المعنى الموجب للحكم في حقنا، أي أنها هي التي بوجودها في الفعل أوجبت الحكم علينا واقتضته منا أو هي التي بوجودها بالفرع أوجبت على المجتهد بأن يَحكُم عليه بحكم الأصل. ولأجل هذه الاحتمالات في هذا التعريف عَمِد الغزالي إلى إدراج زيادةٍ فيه، وهي أن العلة هي المعنى الموجب للحكم بجعل الله تعالى إيَّاها موجبة [1] . وبهذا استطاع أن يصطادَ ثلاثة عصافيرَ في وقت واحد:
(1) ذكر الرازي، المحصول، ج 5، ص 185: أن هذا التعريف هو ما عوَّل عليه الغزالي. ومن هنا ذاعت نسبة هذا التعريف إلى الغزالي في كتب المتأخرين من الأصوليين. وما وُجد في كتب الغزالي هو أنه لم يلتزم تعريفا محدَّدا للعلة، أي أنه لم يرسم لها حدًَّا على مذاق الحدود المنطقية، وإنما جرى شرحه لها ووصفه إيَّاها بأوصاف متفرقة، كالعلامة الضابطة لمحل الحكم، والمعنى الباعث على الحكم. والمعنى الموجب للحكم بجعل الله تعالى، وهكذا. هذا فضلا عن أن الغزالي هو من أصحاب المنهج المعدِّد لا الموحِّد إذ تفطن رحمه الله تعالى للمعاني المختلفة لإطلاقات العلة في لسان الفقهاء ونبَّه على ذلك كما سنرى بعد قليل.