الصفحة 36 من 69

إذن هناك أغراضٌ أو أهدافٌ أَوَّليَّةٌ للأفعال تمثِّل في حقيقتها وسائلَ وأسبابًا لأهدافٍ بعيدة ونهائية. وتُسمَّى الأهداف الأولية في اللغة المعاصرة بالأهداف المَرْحليَّة، أما الأهداف النِّهائية فتُسمَّى بالأهداف الاستراتيجية، وبعضهم يُصَنِّف الأهداف إلى: قريبة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى.

وما ينطبق على الأفعال عمومًا ينطبق على الأحكام الشرعية؛ فالأحكام ما هي في الحقيقة إلا أفعال منسوبة إلى الشارع، إذ هي خطاب الشارع أو مدلول هذا الخطاب، وخطاب الشارع هو قوله، وقوله هو نوعٌ من أفعاله.

فالأحكام الشرعية لها أهداف وأغراض أوَّلِيَّة وأهداف بعيدة كذلك. أي أن العلل والأغراض المستهدفة من الأحكام الشرعية تَتَّصف بخاصيَّة (( التَّسلسُل المَرْحَلي ) ) [1] . ولنأخذْ مِثالًا على ذلك حكم تحريم شرب الخمر، فنقول: الغرض الأوَّلي لتحريم شرب الخمر هو دفع مفسدة السكر وذهاب العقل. وهذا الغرض مُفْضٍ إلى غرض آخر هو دفع المفاسد المترتبة على ذهاب العقل من تعطيل ذكر الله والصلاة وإزالة الحاجز بين الإنسان وفعل المعاصي. وهذا الغرض مفض إلى غرض ثالث هو استتباب المجتمع المسلم وتخليصه من أسباب الفساد والعصيان [2] .

(1) (( تَسَلْسُلُ العِلَل ) )هو إحدى الحجج ـ الواهية ـ التي استند إليها منكرو التعليل في أحكام الشارع وأفعاله. إذ قالوا: ما من علة تُفْرَضُ لحكم أو فعل من الأفعال إلا ولها علة أخرى، وهذه العلة لها علة ثالثة، وهكذا فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. والتسلسل اللانهائي باطل لأنه مستحيلٌ عقلا، كما هو مقرَّرٌ في علم الكلام، فكذلك ما يؤدي إليه وهو تعليل الأحكام والأفعال، فثبت أن أفعال الباري سبحانه وتعالى وأحكامه غير معللة. وأجاب عن ذلك مثبتو التعليل بجوابين: أحدهما: بمنع التسلسل اللانهائي بالقول بأن العلل وإن كانت متسلسلة مرحليا إلا أنها تعود في نهاية المطاف إلى علة واحدة نهائية وهي محض رحمة الله وجوده وكرمه، فأحكام الله تعالى جميعا معلولة في آخر المطاف بهذه الرحمة وهذا الجود، وهذه العلة غير معلولة لعلة أخرى. والجواب الثاني: بتسليم التسلسل اللانهائي ولكن مع عدم التسليم بكونه باطلا عقلا كما زعمه النافون للتعليل، وذلك لأن تسلسل العلل إنما هو في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، والتسلسل في المستقبل بخلاف التسلسل في الماضي ليس باطلا كما هو رأي جماهير المتكلمين. انظر: شلبي: محمد مصطفى، تعليل الأحكام، ص 101.

(2) في دراسة اجتماعية عن المجتمع الأمريكي ظهر أن الطلاق بين الزوجين الذي يعاني أحدهما من شرب الخمر يزيد 3 أضعاف احتمالات الطلاق العادي، وتظهر مشاكل كبيرة بين أفراد الأسر التي تشرب الخمر؛ لضعف الاتصال فيما بينهم، ولضعف قدرتهم على حل واستيعاب المشكلات، كما أنه من مليون طفل سُجِّل تعرضهم لسوء المعاملة أو الإهمال .. يأتي 81% ضحايا بسبب الخمر، وأوضحت الدراسة أن الكحول هو مفتاح لـ: 86% من وقائع القتل غير العمد، و 54% من القتل المتعمِّد والشروع فيه، و 62% من حوادث الاغتصاب، و 48% من وقائع اللصوصية، و 44% من السطو على المنازل، و 66% من المدمنين يستخدمون المخدرات الأخرى. انظر: سلامة: نهى، الخمر آفة تتستنزف العالم، منشور على موقع إسلام أونلاين بتاريخ 2/ 4/2002 م:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت