مثالٌ آخر: حكم تحريم قضاء القاضي حالة الغضب، فنقول: الغرض من تحريم قضاء القاضي عند الغضب هو دفع مفسدة تشوُّش الفكر واندهاش العقل الحاصلة عن الغضب. وهذه المفسدة علة في مفسدة أخرى هي منع العقل من الإصابة في الحكم، وهذه المفسدة علة في مفسدة ثالثة هي فقدان العدل وحصول الظلم المؤدِّي في نهاية المطاف إلى الإسهام في انهيار المجتمع بتهارج النَّاس واضطرابهم واختلافهم.
وعادةً ما يكتفي الفقهاء عند تعليل الأحكام بذكر مستوىً واحد أو مستويين من الأغراض، ولا يخوضون في أغراض المستوى الثالث والرابع وما بعدها.
ومَرَدُّ ذلك إلى أنَّ جُلَّ بحث الأصوليين إنما هو في العلة التي يصحُّ القياس عليها، أي يمكن الجزم بوجودها في الفرع بقدْرٍ مساوٍ لوجودها في الأصل. وهذا عادةً ما يكون في الأغراض والعلل الأولية فحسب؛ لأنَّ العلل الأولية أكثرُ انضِباطا ممَّا يليها، وأما السبب في كونها كذلك فمردُّه إلى:
4.التفرُّع الشَّجَري للأغراض:
(( التسلسل المرحلي ) )للأغراض، سواءٌ أكانت هذه الأغراض مصالحَ أم مفاسدَ أم خليطًا منهما، يتَّخِذُ صِفَةَ التمدُّد الطولي، فلو مثَّلنا الزَّمنَ بخطٍّ عمودي مستقيم لوجدنا أن الغرض الأولي يقع في رأس هذا الخط ثُمَّ الذي يليه بعدَه بمسافة وهكذا، كما في الرسم التالي: