بالصانع، فإنه وإن لم يعلم صفاته فلم يجهلها أيضًا، إذ الجهل اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، والذي هو في مفتتح نظره لا معتقد له في صفات الرب نفيًا وإثباتًا [1] .
فأما من اعتقد في صفات الباري ما يتقدَّس الرب عنه، نحو أن يعتقد في صفات الإله ما اشتملت المسألة عليه [2] ، فقد اختلفت طرق الأئمة فيه:
فصارت طائفة منهم إلى أنّ من اعتقد أن الرب عظيم بالذات، على معنى كثرة الأجزاء وتركيبها في تأليفها، وأنه عز وجل مختص ببعض الجهات والمحاذات، وأن الأجسام المحدودة والأجرام المتقررة بأقطارها وآثارها تقابله في بعض جهاته، فهو غير عالم بالله رب العالمين [3] .
فإنه علق معتقده بموجود ليس بإله، بل هو على صفات المخترعات وسمات المحدثات، فقد اعتقد موجودًا غير الإله، واعتقد الإلهية [فيه] ، فينزل منزلة من يعتقد أن الأصنام آلهة!!
فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره، وقد ارتضاه القاضي في"نقض النقض".
وذكر في باب الهداية في باب تكفير المتأولين [4] طريقةً أخرى، فقال: الجهل بالصفات لا يضاد العلم بالصانع على الجملة، كما أن الغفلة عن الصفات والذهول عنها علمًا وجهلًا في ابتداء النظر لا ينافي العلم بالصانع، وكل ما لا ينافي الغفلة عند العلم بالمعلوم والجهل به، لا ينافي العلم به أيضًا، اعتبارًا بكل معلومين.
(1) المقصود من هذا الكلام، أن الناظر يشترط له أن يخلي نفسه عن الاعتقادات السابقة على نظره، ولذلك فإن اعتقاده إنما يجب كونه مترتبا على النظر لا سابقا عليه، ولهذا، فالأصل في الناظر إذا أدى به نظره بعد انتهائه من إجراء دليل معين-وهو دليل الحدوث على ما مرت الإشارة إليه في كلام الجويني سابقا-، إلى اعتقاد مجرد الصانع، فالناظر إلى هذه المرحلة، لا يجوز له أن يعتقد إثبات أي صفة أخرى، وأيضا فلا يجوز له في هذه المرحلة من النظر، أن ينفي أي صفة أخرى لم يؤدِّه إليها نظره. ولهذا قال الجويني:"والذي هو في مفتتح نظره لا معتقد له في صفات الرب نفيًا وإثباتًا"، وهذا صحيح مطلقا.
(2) يعني الذي يعتقد في الله أنه جسم.
(3) خلاصة رأي هذه الطائفة، أنه لا يقال إن المجسم عالم بالله تعالى، بل إنه جاهل به.
(4) في ط: المثناوية.