وذلك أن صفة النفس تدل على عين النفس، ولا ترجع إلى صفة زائدة عليها، فالجاهل بها جاهل بالنفس.
وتقريب القول في ذلك: أن مُعتَقِدَين إذا اعتقد أحدهما موجودًا غير متحيز، واعتقد الثاني موجودًا متحيزًا، فمعتقَد أحدهما غير معتقَد الآخر، فلا خفاء به.
وقد قال القاضي في بعض أجوبته: لا أنفي صفة المعرفة عن الذي خالف في صفة نفسية، ما لم تقم دلالة سمعية على تكفيره.
وجَعَلَ الجهلَ آخرًا بمثابة عدم العلم أولًا في ابتداء النظر.
وإذا قامت دلالة سمعية قاطعة على تكفير جاهل بصفة قال: فلستُ أقول إن الجهل بالصفة اقتضى الجهل بالموصوف، ولكن من حيثُ اتضحت الدلالة سمعًا عرفنا أن سنة الله أن لا يجمع لشخص بين الجهل بما جهله والعلم بوجود الله.
وليس يرجع ذلك إلى قضية عقلية، ولكنه يرجع إلى عادةٍ قدر الله استقرارها واستمرارها.
وهذا كما أن الشرع حكم بتكفير من قتل نبيًا عامدًا عالمًا، مع القطع بأن أفعال الجوارح لا تضاد العلم القائم بجزء من القلب، ولكن من حيث اجتمعت الأمة على كفر من صدر منه ما ذكرناه، ولا تجمع الأمة إلا على الحق.
قلنا: وجه انعقاد الإجماع على الصحة، بأن الله حكم بأن قتل النبي لا يصدر إلا ممن قدر الله كفره.
فهذه طريقة القاضي رحمه الله، ولكن الطريقة الأولى أسدُّ عندي [1] ، وقد اختارها القاضي كثيرًا.
فهذا تفصيل القول في الصفات النفسية.
(1) الطريقة الأولى هي التي يقول فيها القاضي بانتفاء معرفة من نفى صفة نفسية لله تعالى أو أثبت له صفة نفسية لا يجوز إثباتها كالتحيز، فالإمام الجويني يرجح أن من اعتقد بذلك فهو لم يعرف الله تعالى، وأن ذلك يستلزم عدم معرفة بالله تعالى. والفرق بين هذه الطريقة والطريقة الأخرى، أن الطريقة الثانية، جعلت التلازم بين نفي صفة نفسية وبين كون النافي غير عارف بالله تعالى تلازما عاديا، والطريقة الأولى جعلته ذاتيا.