ولو ساغ التمسك بها لجاز طرحها في جملة العلوم الضرورية، ولو اندفعت الضروريات بالمطالبات لكان للمعترض من السالمية المجوزين اجتماع الضدين أن يقولوا: دعواكم العلم الضروري باستحالة اجتماع السواد والبياض باطلة، وأنتم مطالبون بتصحيحها!!
وهذا مبلغ لا يتعداه أريب، ولا يتخطاه إلى ما سواه لبيب.
ولا تصفوا المسألة إلا بإيضاح الفرق بين المعجزات والكرامات، وتحقيق الفصل بين ما لا يقدر شائعًا من الكرامات، وبين ما يقدر شائعًا مستفيضًا متصديًا للنقل تواترًا، كما تنقل الدول والأمصار.
وأنا في الإملاء قد راهقتُ الكرامات والمعجزات وناهزتها، وسيأتي الشرح على كل خافية فيها إن شاء الله تعالى.
وأما الكلام عن المنجمين، فقد رأيته في"تهذيب المستبصر ومعونة المستنصر"لابن مجاهد رحمه الله، وذكر القاضي طرفًا منه في كتابه المترجم بـ"الدقائق"، وليس واحد من الكتابين في صحبتي.
ولكن أحسن كتاب رأيته فيه للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وكان شيخ وحده ووحيد عصره في هذا العلم، واقتصر في الكلام على المنجمين بما لم يزاحم عليه ولم يساهم فيه، لأنه كان ممن تدرس في التنجيم وحل الزيجات والكلام على التعديلات والهيئات برهةً من دهره، وكان محطًا للرحال ومقصدًا للرجال في الهندسة والفلسفة، ثم قيض له من علم التوحيد ما فاق به أترابه وآثر على كافة أهل زمانه، وقد جمع في الرد على المنجمين ما لم يجمعه أحد قبله.
وقد أرسلت إلى الشيخ الجليل الأوحد أجزاء من كلامه عليهم، ولولا ما في كلامه من الاستفهام لما بقي من معضلات الكلام مشكل، ولكن المستصعب من المعضلات عنده - أدام الله حراسته - ذلول، والمبني على القول من المذهبين لديه سهل المتناول، حرس الله عليه النعم، وأعاذه من قضايا النقم، وبلّغه مناه في دينه ودنياه.