فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 845

إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أنّ لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منّا، ويقولون: إنّهم إن قتلوا دخلوا الجنّة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذّة إلا على قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحبّ الحياة ولذّتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم؟ واعلموا معشر الروم؛ إنّي والله لا أخرج ممّا دخلت فيه، وصالحت العرب عليه؛ وإنّي لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي، وتتمنّون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أنّي قد عاينت ورأيت، وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره، ولم يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده، بدينارين في السنة؟

ثمّ أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص، فقال له: إنّ الملك قد كره ما فعلت وعجّزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الروم ألّا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتّى يظفروا بك أو تظفر بهم؛ ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه؛ وإنّما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تمّ الصلح فيما بينك وبينهم؛ ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متمّ لك على نفسي، والقبط متمّون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم؛ وأمّا الروم فأنا منهم بريء، وأنا أطلب منك أن تعطيني ثلاث خصال.

قال له عمرو: ما هنّ؟ قال: لا تنقضن بالقبط، وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك، فهم متمّون لك على ما تحبّ. وأمّا الثانية فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتّى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنّهم أهل لذلك؛ فإنّي نصحتهم فاستغشّوني، ونظرت لهم فاتّهموني. وأما الثالثة، أطلب إليك إن أنا متّ، أن تأمرهم أن يدفنوني في أبي يحنّس بالإسكندرية.

فأنعم له عمرو بن العاص، وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا له الأنزال والضّيافة والأسواق والجسور؛ ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية. ففعلوا وصارت لهم القبط أعوانا، كما جاء في الحديث، واستعدّت الروم وجاشت، وقدم عليهم من أرض الروم جمع عظيم.

ثمّ التقوا بسلطيس (1) ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، ثمّ هزمهم الله، ثمّ التقوا بالكريون (2) ، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما.

(1) في معجم البلدان: سلطيس من قرى مصر القديمة أعانوا الروم على عمرو بن العاص لما فتح مصر والإسكندرية.

(2) في معجم البلدان: الكريون موضع قرب الإسكندرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت