فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 845

غنيمة الدّنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنّها لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا؛ وإنّ الله تعالى قال لنا في كتابه: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 249] ، وما منّا رجل إلا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألّا يردّه إلى بلده ولا إلى أهله وولده؛ وليس لأحد منّا همّ فيما خلّفه، وقد استودع كلّ واحد منّا ربّه أهله وولده؛ وإنّما همّنا ما أمامنا. وأمّا قولك: إنّا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا؛ فنحن في أوسع السّعة لو كانت الدنيا كلّها لنا، ما أردنا لأنفسنا منها أكثر ممّا نحن فيه، فانظر الذي تريد فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منكم، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث، فاختر أيّها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا. أمّا إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره ـ وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته ـ أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتّى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولا نستحلّ أذاكم، ولا التعرّض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كلّ عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم؛ إذ كنتم في ذمّتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلّا المحاكمة بالسّيف حتّى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.

فقال له المقوقس: هذا ممّا لا يكون أبدا، ما تريدون إلّا أن تأخذونا لكم عبيدا ما كانت الدنيا.

فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت.

فقال له المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟

فرفع عبادة يديه، وقال: لا وربّ السماء وربّ هذه الأرض وربّ كلّ شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.

فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القول فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذلّ؟ أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم؛ فهذا لا يكون أبدا، ولا نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين لا نعرفه، وأمّا ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدا أبدا، فالموت أيسر من ذلك؛ لو رضوا منّا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا، كان أهون علينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت