فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 845

فكسره، واستمرّ المعزّ (1) بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس وستين. وكان منجّمة قال له في في السنة التي قبلها: إنّ عليك قطعا في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتّى تنقضي هذه المدّة؛ فعمل له سردابا، ودعا الأمراء وأوصاهم بولده نزار، ولقّبه العزيز، وفوّض إليه الأمر حتّى يعود، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابا ساريا ترجّل عن فرسه، وأومى إليه بالسلام، ظانّين أنّ المعزّ في ذلك الغمام. ثمّ برز إلى النّاس بعد مضيّ سنة، وجلس للحكم على عادته، فعاجله الله في هذه السنة. وولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار، فأقام إلى أن مات سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة.

ومن غرائبه أنّه استوزر رجلا نصرانيّا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديّا اسمه ميشا (2) ، فعزّ بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتّى كتبت إليه امرأة في قصّة في حاجة لها تقول: بالذي أعزّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذلّ المسلمين بك؛ لما كشفت عن ظلامتي (3) ! فعند ذلك أمر بالقبض على هذين، وأخذ من النّصرانيّ ثلثمائة ألف دينار، وولّى بعده ابنه الحاكم (4) ، فكان شرّ الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شرّ منه؛ رام أن يدّعي الإلهيّة كما ادّعاها فرعون، فأمر الرعيّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره، واحتراما لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتّى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خرّوا سجّدا؛ حتّى أنّه يسجد بسجودهم في الأسواق الرّعاع وغيرهم. وكان جبّارا عنيدا، وشيطانا مريدا، كثير التلوّن في أقواله وأفعاله، هدم كنائس مصر ثمّ أعادها، وخرّب قمامة (5) ثمّ أعادها، ولم يعهد في ملّة الإسلام بناء كنيسة في بلد الإسلام قبله ولا بعده إلا ما سنذكره.

(1) في الكامل لابن الأثير 7/ 66: مولده بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وبويع بالخلافة في الغرب يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 146: منشا بن إبراهيم بن الفرار.

(3) هذه القصة ذكرها ابن الأثير على أنها ملفقة من قبل المسلمين بسبب أذية النصارى واليهود لهم. [المصدر السابق] .

(4) في الكامل لابن الأثير 7/ 177: أبو علي المنصور ولقب الحاكم بأمر الله ـ وعمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر.

(5) كنيسة القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت