ولكني قد أقع في شيء من الفسق وأنا لا أشعر، وهنا تكمن المشكلة بأن الإنسان قد يقع في الفسق ويقع في الذنوب وهو لا يشعر.
و لهذا فإن التابعي الجليل عبدالله بن أبي مَلِيك -رضي الله عنه- يقول:"أدركت ثلاثين رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كلهم يخشى على نفسه النفاق"، طبعًا النفاق أعظم من الفسق.
فهذه مشكلة كبيرة أن الإنسان يقع في الأمور الخفية أو في المعاصي الخفية أو الأمراض الخفية وهو لا يشعر، فهذه من أنواع العقوبة التي قد يعاقبك الله بها، ولهذا أورد الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه"صيد الخاطر"قصة (لا أذكر هل هي من الإسرائليات) : أن أحد العُباد قال: يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى الله سبحانه تعالى إلى نبيهم في ذلك الزمان:"قُل له: كم أعاقبك وأنت لا تشعر، ألم أحرمك من لذة مناجاتي".
[إذًا:] فمن الأخطار الخفية أن الإنسان لا يتلذذ بمناجاة الله، ولا يشعر بحلاوة الصلاة، بل إن بعض الناس -وللأسف الشديد- يتأثر بعتاب المخلوق أكثر من تأثره بعتاب الخالق، فمثلًا: يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف] (يقول العلماء:"المقت هو أشد من الغضب") ، فلا تجد هذا الإنسان يبالي، [وتجده] يقرأ هذه الآية عدة مرات ولا يبالي، لكن عندما تأتيه رسالة من أحد إخوانه أو أحد أصحابه فيها عتاب، تجده يتأثر ويجلس أيامًا بل أشهر بل سنوات وهو يتأثر بتلك الكلمات، حتى إذا رآهُ بعد سنة أو سنتين يقول: فلان، أنا ما نسيت عتابك لي، كانت كلماتك قاسية، وجرحت مشاعري.
عَجَبًا والله، أصبحت كلمات البشر هو يقول بنفسه: هزت كياني، وهزت مشاعري، وأحدثت زلزالًا كبيرًا عظيمًا في قلبي، فأصبحت كلمات البشر تسبب أو تهز مشاعر وكيان الإنسان وتسبب له زلزالًا عظيمًا في قلبه، طيب وكلمات رب البشر جل وعلا لماذا لا تهز قلبك؟ لماذا لا تهز كيانك ومشاعرك؟