الصفحة 57 من 66

وقد ذكر القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية؛ أن هذا المثل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به.

-وأما الصفة الثانية من صفات طالب العلم؛ فهي تبيين العلم للناس والصدع بكلمة الحق:

وقد قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} .

فمن كتم العلم من المنتسبين للعلم؛ فهو ليس من العلماء الذين يستغفر لهم من في السموات ومن في الأرض وحتى الحيتان في الماء، والذين جاءت النصوص الشرعية بمدحهم وذكر ثوابهم، بل هو من الذين يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

وإنما يحمل طالب العلم على كتم الحق؛ الخوف من أصحاب السلطة ومن بطشهم ووسائل إعلامهم، وطلبه لمرضاتهم والمكانة عندهم، وحرصه على الدنيا ومتاعها، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} ، وقال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} .

فقد درسوا العلم على العلماء أو في المدارس، كما قال تعالى: {ودرسوا ما فيه} ، ولكن درسوه دراسة مجردة، ولم يكن عقيدة راسخة وإيمانا صادقا، ولم يتلقوه تلقي الصحابة رضي الله عنهم الذين حملوه وصبروا على تبليغه ومجهادة أعداءه.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها؛ فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة والذي يتبعون الشهوات؛ فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات؛ لم يكن لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت له شبهه، فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى، فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان وجه ظاهرا لا خفاء به ولا شبهة فيه؛ أقدم على مخالفته وقال؛ لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} ، وقال تعالى فيهم أيضا: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت