والمنافقون يتصفون بسوء الظن بشرع الله تعالى، ويظنون أن الشريعة لا تناسب هذه المرحلة، أو هذا الزمان، وأن أنظمة إخوانهم من النصارى أو اليهود - كالديمقراطية - هي التي تصلح لهذا الزمان، وتناسب تعدّد الطوائف والأديان والقوميات في العراق، ولقد قال الله تعالى في مثل هؤلاء من المنافقين: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47 - 51] .
فنفى عنهم الإيمان - الذي يتظاهرون به - لتولّيهم عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، في قوله: {وما أولئك بالمؤمنين} ، وبين أنهم يعرضون عن التحاكم للإسلام إذا دعوا إليه، ويرغبون بالتحاكم إلى طواغيتهم - كالقوانين وغيرها - وأنهم لا يقبلون من شرع الله إلا ما وافق أهواءهم، فإذا وافق الحكم أهوائهم؛ انقادوا إليه.
ثم ذكر تعالى سبب إعراضهم عن شرع الله، فقال: {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: 50] ، أي أفي قلوبهم مرض النفاق والكفر؟ أم ارتابوا - أي شكّوا في الإسلام -؟ أم خافوا أن يظلمهم الله ورسوله في الحكم؟ بل أولئك المنافقون هم الظالمون المائلون عن الحق والعدل.
ثم بين حال المؤمنين في مقابل حال المنافقين، فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .
فدلت الآيات على أن سوء الظن بشرع الله تعالى وإحسان الظن بأحكام الجاهلية؛ هو من صفات أهل النفاق من دعاة الديمقراطية الكافرة وغيرها.
وقد قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49 - 50] ، فليس هناك إلا حكمان، حكم الله تعالى، وحكم الجاهلية - وهو ما خالف الإسلام من الأنظمة والأحكام - ولا يعلم حسن الإسلام إلا من عمر الله قلبه باليقين والإيمان، وأما من حجب فطرته وقلبه بالكفر والنفاق؛ فلا يؤمن برسالة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
وقد قال الله تبارك وتعالى مبينًا صفات من له الحكم والتشريع: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا