ونقض لما يدعون، فإن ادعاء الإيمان؛ يقتضي التحاكمَ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والكفرَ بالطاغوت، وعدمَ التحاكم إليه، كما قال تعالى: {وقد أمروا أن يكفروا به} .
فالواجب الكفر بالطاغوت، وليس التحاكم إليه كحال من يدعي أنه مسلم ثم يريد التحاكم إلى طاغوت الديمقراطية الكافرة.
والطاغوت؛ اشتقاقه من الطغيان، وهو مجاوزة الحد.
قال الإمام ابن القيم: (الطاغوت كل ما تجاوز به الحد، من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم؛ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم الطاغوت، وعن طاعته ومتابعته رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته) ، انتهى كلامه
فالإيمان بالله لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256] .
و"العروة الوثقى"؛ هي الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، والشهادة؛ نفي، وإثبات، نفي الألوهية عن غير الله، وهو الكفر بالطاغوت، وإثبات الألوهية لله، وهو الإيمان بالله، فدل على أن من آمن بالطاغوت لم يحقق لا إله إلا الله.
ثم بين تعالى؛ أن هؤلاء الذين يدّعون الإيمان، ثم يريدون التحاكم إلى الطاغوت - كالبرلمان وغيره - قد أضلهم الشيطان ضلالًا بعيدًا، ولقد ضلوا هذا الضلال البعيد؛ لإشراكهم مع الله غيره في التشريع، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} ، وبين أنهم إذا دُعُوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم للحكم بينهم؛ صدّوا وأعرضوا عن التحاكم إلى الإسلام.
ثم قال تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} ؛ أي فكيف إذا حلت بهم مصيبة بسبب ذنوبهم وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ {ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ؛ أي إن أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الإسلام والأنظمة التي تخالفه - كالديمقراطية والشيوعية وغيرها - والإيمان يقتضي الكفر بالأنظمة المخالفة للإسلام، وليس التوفيق والجمع بينها وبين الإسلام، كمن يرفع شعار"الديمقراطية الإسلامية"وغيرها من شعارات أهل النفاق.