وتأتي كلمات الكفر والظلم والفسق في مواطن، ويراد بها المعصية.
فإذا كان الحاكم مبدلا لشرع الله تعالى ومحكمًا للقوانين الوضعية في عموم الحياة، أو في بعضها، فهذا كفره وظلمه وفسقه؛ مما يخرج من الملة، فإن التشريع؛ من خصائص الألوهية، فمن ادعى الألوهية أو دعا الناس إلى عبادة غير الله في الحكم والتشريع وألزمهم بها؛ فهو طاغوت، كافرٌ، محاربٌ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان من حكم بالتوراة المحرفة المنسوخة بدلًا من القران؛ يَكْفُرُ ويخرجُ من الإسلام، فكُفْرُ من حكم بالقوانين الوضعية من الحكام في العالم الإسلامي من باب أولى.
قال الإمام ابن كثير: (ومن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! ومن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) اهـ.
وأما الكفر دون كفر، الذي لا يخرج من الملة، فهو أن يكون الإسلام هو الحاكم في البلاد، ولكن الحاكم ظلم ولم يحكم بما أنزل الله في قضية محددة معينة، ولم يشرّع قانونا لمثل هذه القضية أو غيرها.
ومن الأدلة على أن التحاكم لغير الله؛ من الكفر والنفاق الأكبر، قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 59 - 62] .
فجعل الرد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع؛ شرطا في الإيمان، وذكر كلمة"شيء"في قوله: {فإن تنازعتم في شيء} ، وهي نكرة في سياق الشرط، فتقتضي العموم، فكل شيء تنازع فيه المتنازعون من سياسة أو قضاء أو اقتصاد أو غيرها من شؤون الحياة؛ فالرد فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بين أن الرد إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو الخير في الدنيا والآخرة، والأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
ثم جاء بصيغة التعجب من تناقض المنافقين في زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله، ثم يخالفون هذا الزعم، ويريدون التحاكم إلى الطاغوت، فهذا تناقض