وَمُراغَمَة الأَعداء وَالسِعة في الرزقِ وَالسِعة مِن ألهَمّ وَالكَربِ بِمُجاوَرةِ أعداءِ الله الظالِمين وِالبقاء تَحتَ تَسلُطِهِم وَعَدَم القُدرة على إقامة التوحيد وَتحكيم شَريعةِ الله تحت سُلطانِهم وَالسِعة بمُفارَقةِ الأنداد والطواغيتِ مِن المُرتَدّينَ والقَوانين الوَضعيّة التي تَحكُم البِلادَ والسِعة مِن ضيقِ الاستِضعافِ والذُلِ وِالمَسكَنَةِ تَحتَ حُكمِ الطَواغيت وظُلمِهم إلى حياة العزة وَالقوةِ وَالجِهاد وَالتَمكينِ في الأرض.
و العُلماء هُم وَرثةُ الأَنبِياء فَكَما أَنهُم أَعلم الناسِ بميراثِ النّبوّة فَكذلِك يَجِب عَليِهم أَن يَقُوموا بِحملِ ألرِسالةِ كَما حَمَلَها الأنبِياء.
و أَن يُجاهدوا لِنُصرتِها ويَصبِروا على الأَذى الّذي يَلحَق بِهِم في سَبِيل تَبلِيغِها وأَن يَقودوا الأُمّة في جهاد الأعداء.
ولأِهلِ العِلمِ الصادِقين صِفاتٌ تُمَيّزَهُم عَن عُلَماء السُوء:
و أولها: أَن يَعمَل العالِم بعَلمِه وَأَن يُوافِقَ قَولهُ عَمَلَهُ فإِنَّ العَبدَ كَما أخبَر النَبّي صلى الله عليه وسلم: (لاتزال قدمه يَومَ القِيامة حَتى يُسأَل عَن أربع: عَن عُمرِه فيما أَفناه ,وَعن شَبابِه فيما أَبلاه, وعَن مالِه مِن أينَ اكتَسبُه وفيما أَنفَقَهُ, وَعَن عِلمِهِ ماذا عَمِل فيه) .
و قَد تَضمنَت سُورة الفاتِحة الِهداية إلى العِلم والعَمَل وَهُوَ صِراطَ الّذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيّهِم مِنَ النَبِيينَ والصِدِّيقينَ والشُهداء وَالصالِحين غَيرِ المَغضوبِ عَليهِم اَلّذينَ عَلِموا وَلَم يَعمَلوا كَاليَهود وَمَن فَسَقَ مِن عُلماءِ المُسلِمين ولا الضّالينَ الّذينَ عَمِلوا بِلا عِلمٍ صَحِيح كَالنصارى وَمَن ضَلّ مِن عِباد الأُمة.
قالَ سُفيان إبن عُيّينة رَحِمهُ الله: (من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى) .
وَقَد جَمَعَ اللهُ تَعالى بَينَ هذينِ الصِنفَينِ في كِتابِه كَما في قَولهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {التوبة34} .
فَالِهداية إِنمَّا هِيَ بِالعَمَل بِالعِلمِ وَالاستجابة لِلمَوعِظَةِ كما قال الله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا 66} وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا {67} وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا {68} وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا {69} {النساء66 - 69} .
فَمَن زَعَمَ مِن المُنتَسِبينَ لِلعِلمِ أَنّهُ مِن أَتباعِ سَلِفِ الأُمَّةِ وَهُوَ كاتِمٌ لِلحَق وَقاعِد عَن الجِهاد وَصاد عَن سبيلِ الله لأَجلِ َعرَضٍ مِنَ الدُنيا فَهُوَ كاذِبٌ في دُعواه بُل هُوَ أشبَهُ الناس بِعُلَماءِ اليُهود المَغضوبِ عَليّهِم الَّذِين قال الله تعالى عَنهُم: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 42} وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ {43} أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {44} {البقرة/43 - 44} .
وَفي الصَحِيحَينِ قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالرجُل يَومَ القِيامة فَيُلقى في النّار فَتندلق أقتاب بَطنِه فَيدور بِها كما يَدور الحِمار في الرّحى فَيجتَمِع إِليه أهل النار فَيَقولون: يا فُلان مالك ألم تَكُن تأمر بالمعروف؟ وتَنهى عَن الُمنكر؟ فَيَقول: بَلى لقَد كُنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عَن المُنكَر وآتيه ) ) .
وَقد شَبّه الله تعالى مَن حَملَ العِلم وَلَم يَعمَل بِه وَعَرَفَ آياتِ الله تعالى ولكِنّه انسَلَخَ مِنها بِالحِمار الّذي يَحمِل كتبًا ولا يَنتَفِع بِها وبالكَلب الّذي يَلهَث على الدُنيا وعَلى الضَلال الّذي يَعيش فِيه في جَميع الأَحوال سَواءًا وَعَظَ بِالآيات الّتي تَعلّمها أَو بِغَيرِها أو لم يُوعِظ فَقَد أخلَدَ إِلى الأرضِ ومالَ إِليها بِكليتِه وَأَصبَحَ إتّباع الشيطانِ والهَوى مَسلَكُه وَطَريقه فقال تَبارك وَتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الجمعة5} .
وقال تبارك وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} {الأعراف174} .
قَال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ 175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176} {الاعراف174 - 176} .
وَقَد ذَكَر القُرطُبِي رَحِمَه الله تعالى عِندَ تَفسيره لهذهِ الآية أَن هذا الَمثل عام في كُل مَن أُوتيَ القُرآن فَلَم يَعمَل به.
وأما الصِفَة الثانية مِن صِفات طالب العِلم:
فَهِيَ تُبَيين العِلم لِلناس والصَدع بكَلمة الحَق وَقَد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} {البقرة159} .
فَمَن كَتَمَ العِلم مِن المُنتَسِبينَ لِلعِلم فَهُوَ لَيسَ مِن العُلماء الّذينَ يَستَغفِر لَهُم مَن في السمواتِ وَمَن في الأَرض وَحَتى الحِيتان في الماء والّذينَ جاءَت النُصوص الشرعيّة بِمَدحِهِم وَذَكَر ثوابَهُم بَل هُو مِن الّذين يَلعَنَهُم الله وَيلعَنَهُم الّلاعِنون وإِنّما يَحمِل طالب العِلم على كَتم الحَق وَالخَوف مِن أَصحابِ السُلطة وَمِن بَطشَهُم وَوَسائِل إِعلامِهم وَطَلَبه لمرضاتِهم وَالمكانة عِندَهُم وَحِرصَه على الدُنيا وَمتاعها وَقَد قال الله تبارك وتعالى {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} {آل عمران187} .
وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} {الأعراف169} .
فَقَد دَرسوا العِلم على العُلَماء أَو في المدارس أو في كَما قال تَعالى: {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} {الاعراف169} وَلكِن درسوه دِراسة مُجردة وَلَم يَكُن عَقيدة راسِخة وإِيمانًا صادقًا وَلَم يَتَلقَوه تَلقِي الصحابة رَضِيَ الله عَنهُم الّذينَ حَمَلُوه وَصَبَروا على تَبلِيغَه وَمُجهادَة أعداءِه قال الِإمام إبن ألقَيّم رَحمه الله: (كل من آثر