الصفحة 35 من 66

الدُنيا مِن أهلِ العِلم واستَحَبَها فلا بد أن يَقول علىِ الله غَيرَ الحَق في فَتواه وحُكمَه في خَبَره وإِلزامه لأن أحكام الرّب سُبحانَه كثيرًا ما تأتي على خِلاف أغراض النّاس ولا سِيَّما أهلِ الرِياسَة وَالّذي يَتّبعونَ الشهوات فإنَّهُم لا تَتِم لَهُم أَغراضَهُم إلا بِمُخالفة الحق وَدَفَعَه كثيرا فإذا كان العالِم والحاكِم مُحبين لِلرِياسة مُتّبعينَ لِلشَهوات لَم يَكُن لهما ذلِك إلِا بِدَفِع ما يُضادَهُ مِنَ الحَق ولا سِيَّما إذا قامَت له شُبهه فَتَتَفِق الشُبهة والشَهوة وَيثور الهوى فَيَخفى الصَواب وَينطَمِس وَجهُ الحَقِ وإِن كانَ وَجه ظاهرًا لا خَفاءَ بِهِ ولا شُبهة فيه أَقدَمَ على مُخالَفَتِهِ وَقالَ لي مخرج بالتوبة وفي هؤلاء وأشباهَهُم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} {مريم59} .

وقال تعالى فيهم أيضًا {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} {الأعراف169} .

فأَخبَرَ سُبحانَه أنَهُم أخَذوا العَرَضَ الأدنى مَعَ عِلمِهم بِتَحريمَه عَلَيهِم وقالوا سَيُغفِر لنا وَإِن عُرِضَ لَهُم عَرضٌ آخر أخَذوه فَهُم مُصِرّونَ على ذلك) انتهى كلامه.

فلَيسَ الشأنُ في حِفظ المُتونِ ودِراسةِ العُلوم بَل الشأن لِكي يَنفَع العِلم هو زَكاة وتقوى المَحل الذي يَتَلَقى الِعلم فإِذا كانَ القَلبُ زكيًّا نَفَعَ العِلم بأذن الله وَانتَفَع بِهذا العِلم المُسلِمون.

وأَمّا إذا كانَ القَلبُ الّذي يَتَلقى العِلم قلب مُنافِق أو قلبًا مريضًا فإن صاحِبَه لا بُدَ أن يَكتُمَ الحَق وَيفتري على الله الكَذِب وَيَصُدُ عَن سَبيل الله وَيَجعَل فَتواهُ وأقوالهُ غِطاءًا شرعيًا لِلحُكوماتِ العَميلة لِتَبرير جرائِمَها في حَقِ الإِسلامِ وَالمُسلمين.

وَأمّا الصِفة الثالثة مِن صِفاتِ طالبِ العِلم فَهِيَ تَقوى الله تعالى وَخَشيتَهُ وَقَد قال الله تبارك وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} {الزمر9} .

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} {فاطر28} .

وَمِنَ الدلائِل على أَنَّ العاِلم يخشى الله تعالى حَقَ خَشيَتِه أن يَصدَعَ بِالحَق وَيُبَيِنَ العِلمَ لِلناس وَيَنصَح لِلأُمَّة وَلا يَخافُ لَومَ الّلائِمين مِنَ النّصارى وَالمُرتَدّيِن وَالمُنافِقينَ كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} {الأحزاب39} .

وَمِنَ الدلائِل على خَشيةِ العاِلم للهِ تعالى أن يُجاهدَ في سَبِيلِ الله وقد قال الله تبارك وتعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ 13} قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ {14} {التوبة 13 - 14} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت