وإذا كتم صاحب العلم الحق؛ فلا يكون من أهل العلم الذين جاءت نصوص الكتاب والسنة بمدحهم بالخشية وغيرها، ولو حفظ المتون، وتبحر في العلوم، بل هو ممن قال الله تعالى عنهمٍ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} .
وقد يتأول متأول، ويعتذر عن قعودهم عن الجهاد، وخذلانهم للمجاهدين بانشغاله ببعض الأعمال الصالحة، التي لا تعدل الجهاد، ويخشى فواتها، أو أن يمنع منها، إذا ساعد المجاهدين، فينشغل بها عن الجهاد، وهو يشاهد بلاد المسلمين تنقص من أطرافها على أيدي الصليبيين، الذين ربما داهموه في بلاده، وهو لم يجاهد ولم يعد للجهاد عدته.
وقد قال الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وعن النعمان بن بشير قال: (كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم وعمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم جمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... الآية} ) [رواه مسلم] .
فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من الأعمال الصالحة، ولكنها لا تعدل الجهاد الذي تقام به دولة الإسلام، وبه ينصر الحق ويدفع الباطل، ويحمى الدين، وتصان الأنفس والأعراض والأموال.
إن هذا العدوان الصليبي اليهودي الذي يجتاح الأمة اليوم؛ إنما هو ابتلاء من الله تعالى لعباده حتى يميز الصفوف، ويبين الصادق من الكاذب المنافق، كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
فالله تعالى يبتلي العباد، حتى يُظْهِرَ المجاهدين الذين ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ويُبَين الكاذبين القاعدين عن الجهاد، الذين اتخذوا وليجةً يَلِجُون إليها من دون الله ورسوله والمؤمنين بموالاة أعداء الله الصليبيين، أو عملاؤهم الموالين لهم.