كما قال صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: (ومن قلة نحن يومئذ؟) ، قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل: (يا رسول الله، ما الوهن؟) ، قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) [أخرجه أبو داود] ، وفي رواية لأحمد: (حبكم الدنيا، وكراهيتكم القتال) .
فيجب أن نحرض الأمة على حب الشهادة، وعلى طلبها وتمنيها والرغبة فيها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سريةٍ تغزوا في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) [رواه مسلم] .
وفي صحيح مسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم يوم بدر: (قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض) ، فقال عمير بن الحمام: (يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟!) ، قال: (نعم) ، قال: (بخ! ٍ بخ!) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك؛ بخ بخ؟!) ، قال: (لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها) ، قال: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه؛ إنها لحياة طويلة) ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل.
وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي رضي الله عنه وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) ، فقام رجل رث الهيئة، فقال: (يا أبا موسى، أأنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟!) ، قال: (نعم) ، فرجع إلى أصحابه فقال: (أقرأ عليكم السلام) ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، فمشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل [رواه مسلم] .
إن دماء الشهداء؛ نورٌ يضيء الطريق للسائرين، وحبرٌ يسطر تاريخ الأمة، ونهرٌ يروي شجرة الإسلام، إن الشهداء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، إن الشهداء يؤمّنون من الفزع الأكبر، ولا يفتنون في قبورهم، ويزوج الشهيد باثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه.
إن حب الشهادة؛ يعني عودة الأمة إلى نصرة دينها، وسالف مجدها ورفعتها، وعودة الإسلام إلى الحكم في الأرض.