الصفحة 21 من 66

كما أن المسلم بقعوده عن الجهاد وركونه إلى الدنيا؛ يحرق دينه ويتصف بصفات المنافقين الذين قال الله عنهم: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} .

فليس القعود عن الجهاد وخذلان المجاهدين، ومداهنة الصليبيين وعملائهم والخوف من سطوتهم؛ هو طريق السلامة والنجاة، بل هو طريق الهلاك الذي يصيب المسلم في دينه وفي نفسه وماله - كما نص على ذلك القرآن -

فصاحب العلم يهلك نفسه إذا لم يجاهد ويحرض الأمة على مواجهة الصليبيين، والتاجر يهلك نفسه إذا أمسك عن الجهاد بماله خوفًا من الصليبيين وعملائهم، وكل مسلم يهلك نفسه؛ إذا قعد عن الجهاد.

فالجهاد وعزة الأمة؛ قرينان، كما أن ترك الجهاد والذل؛ قرينان، وهذا ما شهدت عليه نصوص الشرع، وشهد عليه الواقع اليوم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) [أخرجه أحمد و أبو داود] .

وبعد أن بايع المسلمون أبا بكر رضي الله عنه بالخلافة، تكلم أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد؛ أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌ عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) [رواه ابن إسحاق بإسناد صحيح] .

ففي هذه الخطبة؛ ذكر الخليفة أبو بكر رضي الله عنه قواعدَ عظيمةً من قواعد وأصول الحكم في الإسلام، وهي الأصول التي قامت عليها الخلافة الراشدة، فأرشد إلى معاونة الحاكم على البر والتقوى، وأشار إلى نصح الحاكم وتقويمه ومحاسبته عند الإساءة، ثم حث على الصدق وحذر من الكذب، ثم ذكر مساواة الجميع أمام القضاء، وإقامة العدل بين الناس ورفع الظلم، ثم ذكر الجهاد وحذر من القعود عنه، الذي سيكون سببًا للذل، وتسلط الأعداء, وزوال دولة الإسلام، ثم حذر من خطر انتشار الفاحشة، وما يترتب على انتشارها من العقوبات العامة والبلاء، ثم بين أن طاعة الحاكم تكون بالمعروف، فلا يطاع في معصية الله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت