الصفحة 20 من 66

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) [رواه مسلم] .

وإنّ مِنْ مُسَلّمَاتِ البشريةِ؛ أنّ أيَّ فكرةٍ وعقيدةٍ - ولو كانت باطلة - لا يمكن أن تحكم ويكون لها كيانها، ما دامت نظريةً لم يُؤْتَ صاحبُها قوةً تنصرها وتحميها، ولهذا فترك الجهاد اليوم أمام اليهود في فلسطين، وأمام الصليبيين الذين يجتاحون العالم الإسلامي؛ يمثل خطرًا وهلاكًا للمسلمين في دينهم وفي أنفسهم وفي أعراضهم وفي أموالهم وأراضيهم.

فقد قال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، فأمر الله تعالى بالجهاد بالمال، وعدم الركون إلى الدنيا، وعلل الحكم بأن ترك الجهاد من إلقاء النفس في التهلكة، لأن العدو إذا غلب على بلاد المسلمين أفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وحارب الدين والأخلاق.

عن أسلم عن أبي عمران قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية - وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة - فحمل رجل على العدو فقال الناس:"مه! مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة!"، فقال أبو أيوب:"إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد") .

قال أبو عمران: (ولم يزل أبو أيوب يقاتل في سبيل الله، حتى قتل في القسطنطينية) [رواه أبو داود] .

فبين أبو أيوب رضي الله عنه أن المراد بالآية؛ هو أن الانشغال بالدنيا بإصلاحها، وترك الجهاد والنفقة هو إلقاء الأيدي في التهلكة.

فمن أقبل على إصلاح دنياه، وانشغل بوظيفته، وتنمية أمواله من خلال التجارة وغيرها، وهو يشاهد جيوش الصليبيين تجتاح العالم الإسلامي؛ فهو في حقيقة الأمر يلقي بيديه إلى التهلكة.

فالنجاة تكون بالتصدي للمعتدين وجهادهم، وأما الاستكانة لهم وترك جهادهم فهو الهلاك والهلع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت