المبحث الثاني
أفي مصطلح الإقحام إشكال؟
الإقحام أسلوب من أساليب العرب اللغوية [1] سواء أكان ذلك في بنية الكلمة أم في التراكيب، وهذا الأسلوب منتشر في كلامهم، ومما يدل على ذلك ما نجده من نصوص تمثل هذه الظاهرة التي أولاها النحاة والبلاغيون جل عنايتهم. ولم يكن العرب - وهم الفصحاء والبلغاء - ليزيدوا في كلامهم ما لا طائل وراءه، فهاهم أولاء يصرحون أن المقحم جاء لغرض التوكيد وتقوية الكلام. والقول بإقحام الأسماء والأفعال والحروف - وإقحام الحروف هو الغالب حسب ما تضمنته النصوص في التراكيب اللغوية، سواء اشترطنا لإطلاق هذا المصطلح أم لم نشترط -"قول دعت إليه الدقة العلمية، التي كان النحاة ينتهجونها في معالجتهم لأصناف التراكيب اللغوية" [2] .
ولو لم تكن هذه الظاهرة منتشرة في كلام العرب لما وجدت القرآن نزل بمثلها كما سيأتي.
(1) مع أن الجاحظ (ت 255 هـ) يرى أن هناك فرقًا بين عادة العرب اللغوية في نظمها ونظم القرآن فها هو ذا يفرق بين نظم القرآن وتأليفه، ونظم سائر الكلام وتأليفه، ويبين أن من عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام.
انظر: البيان والتبيين / الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون. لجنة التأليف والنشر، مصر، 1/ 250 أما ابن قتيبة (ت 276 هـ) فيرى أن ما جاء في القرآن الكريم من تكرار إنما جاء على مذهب العرب إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد.
انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة. تحقيق: أحمد صقر، ط سنة 1954 م. ص 10.
وانظر: مفهوم الإعجاز القرآني، أحمد جمال العمري، مصر، دار المعارف - ص 280 وما بعدها.
(2) حروف المعاني وزيادتها في التركيب / د. علي النوري، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، ليبيا، طرابلس، العدد 12 لسنة 1995 ص 337.