وشهد القرنان الماضيان من الحروب الطائفية في أوربا ما لا نظير له في التاريخ واكتشفت أمريكا في وقت كانت الحرب على البروتستانت من قبل الكاثوليك كبيرة وعنيفة مما اضطر البروتستانت إلى الهجرة إلى العالم الجديد. فأخذوا يتدفقون نحوها وإلى الآن لا يزالون هم أكثر سكان أمريكا وقد خرجوا من أوربا بروح التدين التوراتي فلما دخلوا أمريكا تفاءلوا بأن هذا خروج كخروج بني إسرائيل ودخولهم إلى الأرض المقدسة، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة، واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشرى بشرهم اللّه بها في الدنيا، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي كما سبق في كلام كارتر.
ولعلكم الآن عرفتم بداية الجواب على سؤالكم السابق لماذا في هذا العصر دونما قبله من العصور يسعى النصارى لتحقيق وعد اليهود ويتحولون من اضطهادهم إلى خدمتهم؟! وعرفتم لماذا كانت أمريكا هي الدولة المهيأة لاحتضان حكومة المسيح الدجال الموعود بها عام 2000!
كانت نتيجة الحركة البروتستانتية والتغلغل التوراتي فيها هي ظهور فكرة الصهيونية النصرانية قبل فكرة الصهيونية اليهودية وتبنيها لفكرة عودة اليهود إلى فلسطين تمهيدًا لعودة المسيح التي كان بعضهم يظن أنها ستكون بداية هذا القرن الميلادي كما أشرنا.
وأبرز رجال هذه الحركة في أمريكا هو (بلاكستون) الذي تحتفل الدولة اليهودية بذكراه، وهو ليس يهوديًا بل بروتستانتي ولد عام 1841 ودعا إلى الحركة الصهيونية قبل هرتزل بزمن وذلك في كتابه المسمى (( عيسى قادم ) )وقد ترجم إلى أكثر من 48 لغة منها العبرية وطبع عدة طبعات وطبع منه أكثر من مليون نسخة وكان أوسع الكتب انتشارا في القرن التاسع عشر في الغرب.
ويتلخص فكر بلاكستون فيما أسماه (الاستعادة الأبدية لأرض كنعان من قبل الشعب اليهودي) واستطاع بلاكستون بعد ذلك أن يصوغ مع طائفة من أعوانه عريضة ويوقعها مع أكثر من 413 شخصية أمريكية من النواب والقضاة والمحامين والنخب ويرفعوها إلى الرئيس بنيامين هريسون يطالبونه فيها باستخدام نفوذه ومساعيه لتحقيق مطلب الإسرائيليين بالعودة إلى أرض فلسطين، وقد قدمت هذه العريضة عام 1891 م.
وفي بريطانيا أسس البروتستانت صندوقا سمي (صندوق اكتشاف فلسطين) أيام حكم فكتوريا وكان رئيس الصندوق هو رئيس أساقفة كنتربري وهو أكبر الأساقفة في بريطانيا. وذلك بغرض اكتشاف أرض الميعاد وحدودها ومعالمها كما وردت في التوراة.
ثم ظهر بعد ذلك (بلفور) صاحب الوعد المشهور. وتقول مؤلفة حياته وهي ابنة أخته:
["إنه كان يؤمن إيمانًا عميقا بالتوراة ويقرأها ويصدق بها حرفيًا. وأنه، نتيجة لإيمانه بالتوراة أصدر هذا الوعد"] وكان رئيس وزراء بريطانيا في أيامه هو (لويد جورج) الذي يقول عن نفسه:
["إنه صهيوني وإنه يؤمن بما جاء في التوراة من ضرورة عودة اليهود وأن عودة اليهود مقدمة لعودة المسيح"] .
وهناك شواهد كثيرة على سبق الحركة الصهيونية النصرانية ورسوخها يضيق المجال عن ذكرها، ونكتفي بقول حاييم وايزمان:
(( إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا بإنشاء الوطن القوى اليهودي هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة"؛ عن > محمد نعناعة ص 7 ومثله في النبوءة والسياسة ص 10 وموضوع بلاكستون عن البعد الديني، المصدر السابق ) )."