ألقيت هذه المحاضرة بمدينة جدة في الثالث من شهر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرةَ وأربعمائة وألف للهجرة 1412/ 5/3.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، واصطفى هذه الأمة بميراث النبوة والكتاب {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فاطر: 32 وميز طريقها عن طريق المغضوب عليهم والضالين، وجعلها قائمة بالقسط منصورة بالرعب حاكمة بالعدل شاهدة على العالمين بالحق.
وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه وصفيه من عباده الذي دعا ببعثته إبراهيم وبشر برسالته عيسى عليهما السلام، وأخذ الله العهد والميثاق على كل نبي بعثه أنه إن أدركه عهده ليؤمنن به ولينصرنه وظل أنبياء الله وأولياؤه وعباده الصالحون ينتظرون بعثته ويتلمسون مخرجه ويحسبون لموعده حتى بزغ نور الفجر المبين وظهر دين خاتم المرسلين فأيقنوا أنه الحق فخروا للأذقان يبكون ويقولون {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) } الإسراء: 108.
واقتضت حكمة الحكيم العليم أن يكون أهل الكتاب - ولا سيما اليهود - من ساكني المهجر ومجاوري الدعوة وأن يكونوا أول كافر به مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن يؤلبوا عليه الأميين مع أنهم كانوا يستفتحون عليهم بخروجه وأن يكونوا أعظم الساعين لإطفاء نوره مع أنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وأشد المعاندين لوعده مع أنه مجدد لملة إبراهيم، وأنزل الله الكتاب المبين والذكر الحكيم مفصلا لما جبل عليه اليهود من عتوٍّ وجحود وكفر وعناد وخسة ولؤم ودناءة ونكوص وما استوجبوا من مقت وغضب وذلة ومسكنة وفرقة وصغار، فلا تجد في كتاب الله أمة طال الحديث عنها وتنوع قصصها مرة بعد مرة كهذه الأمة؛ فضح الله خبايا نفوسها وخبيث طباعها وعداوتها للعالمين أجمعين، وحقدها على أهل الخير والحق في كل زمان ومكان حتى الملائكة المطهرين!
فباؤوا بغضب على غضب ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام (*) .
(*) واقتضت حكمته تعالى أن ينال كل من والاهم نصيبه مما كتب عليهم وضرب، سواء انتسب إلى هذه الأمة كمنافقي الأمس وملاحدة العصر أو كان من غيرها كبريطانية التي كانت لا تغيب الشمس عن ملكها فصارت عصابات إيرلندا تقض مضجعها وترغم أنفها والمستقبل قادم بمثل ذلك لوريثتها أمريكا بإذن الله.