الصفحة 17 من 29

من الضلالات والجاهلات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير.

لقد كثرت النزعات والاختلافات في واقعنا اليوم، ويتجاذب فئام من الناس الأقوال والآراء في عقائدهم ومسائلهم، حتى غدا كثير الناس متحيرين في أمرهم وشؤون حياتهم، ولو أنهم رجعوا في كل هذا إلى قول الله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" [النساء:59] ؛ لسلموا من الخبط العشواء، وظفروا بأحسن الخير والتأويل الحسن.

نقل ابن كثير عن مجاهد وغير واحد من السلف في قوله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"قال أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم قال:

وهذا أمر من الله، عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى:"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" [الشورى:10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى:"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: (ذلك خير) أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير (وأحسن تأويلا) أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب.

وكل تنازع دنوي كان أو أخروي لابد أن يُرد أمره إلى الوحي المنزل لا إلى آراء الرجال وأقوالهم، فيسلم بذلك دينهم من التغير والتحريف، قال الإمام الشوكاني في قول الله تعالى"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول": (المنازعة المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت