الصفحة 18 من 29

الآخر ويجذبها، والمراد: الاختلاف، والمجادلة، وظاهر قوله: (في شيء) يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: (فردوه إلى الله والرسول) تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته، فالرد إليه سؤاله، هذا معنى الرد إليهما.

إن الناس لمَا ابتعدوا عن وحي ربهم، عاقهم ذلك عن التمسك به، وأنَّى لهم أن يتمسكوا به وقد انصاعوا إلى خطاب البشر، وناءوا بأنفسهم عن المنبع والزلال الصافي.!، ولقد تَرَدَتْ الأمة اليوم إلى الحضيض بسبب بعدها كلام عن ربها.

-ترك الاستشفاء والتداوي به في جميع الأمراض والداء.

الأمة الإسلامية اليوم تمر بمرحلة حرجة، وحالة صعبة، فقد أنهكتها الأمراض الجسيمة المتوالية عليها، واحتقنت جراحاتها في جسمها، فهي تعاني من أمراض أخلاقية، واجتماعية، وعقلية، وجراحات في عرضها ودينها، وتسرح في تيهٍ وضياع، وفي غضون هذه الآلام ذهبت تخبط خبط عشواء تلتمس دوائها من أعشاب ضارة، وجرع مسمومة، بل واستجارت بالرمضاء من النار، ولم ترَ ما يشفي علتها، أو يخرجها من هذه المفازة المترامية الأطراف، والسبب.؟ إنه البعد عن مهج الله تعالى، والانسلاخ منه، إنه عدم الإدراك لقول الله تعالى:"أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون" [العنكبوت:51] ، لم يكتفوا أن يعيشوا بما جاءهم من السماء، فيحلوا بذلك أزمتهم الأخلاقية، ويرفعوا الأمراض عن حالتهم الاجتماعية، ولم ويشعروا أنه مَخْرج لهم من كل تيه وضياع، وأنه شفاء لهم من كل داء، فلم يتدبروا قوله تعالى:"وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" [الإسراء:82] . فتركوا الاستشفاء والتداوي به في جميع الأمراض والداء، قال إمام المفسرين الطبري عند هذه الآية: (يقول تعالى ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها عليهم"ولا يزيد الظالمين إلا خسارا"يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا: يقول: إهلاكا، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهي عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت