الصفحة 10 من 29

فإننا لو نظرنا إلى أسباب ركوبِ كثيرٍ من الفرق موجَ الانحراف وانتحال المناهج الضالة، وأمعنا النظر في مراحل النشأة لهذه الفرق؛ يتجلى لنا بلا مرية وضحُ إصغائهم لغير كلام البرية، فاختلفت مشاربهم، وتغايرت مناهج تلقيهم، فكان لثقافة الإغريق ومنطقها وفلسفتها كذلك دور كبير في اصطفافها إلى جانب الوحي الصافي، فعكرت صفوه لدي كثير من أبناء المسلمين، وكانت تمثل سقاءً آخر لرواد البدع، ولم يعد الاعتصام بمنهج الوحي وحده كافيا ًلهم لتقلي كثير من تعاليمهم، فكان بدء خط الانحراف هناك، وتتجرع الأمة ثمرته المرة مدى الزمن، فالتمسك بالوحي والاعتصام به في غضون التلقي، وفي مرحلة المهد صمام أمان للحفاظ على هذا الدين من التحريف والتبديل و التغيير، بل ويمثل درعًا حصينًا، وسدًا منيعًا من الزيغ والضلال.

ونحن إذ نتحدث عن هذه المرحلة -مرحلة الاعتصام بالوحي أثناء التلقي- لما لها أثر على العمل والتطبيق، حيث أن التمسك بالوحي المنزل، والاعتصام به في تعلمه والإصغاء إليه، تسلم للعبد الطريق الموصلة إلى ربه -جلا وعلا-، فالسلامة في الطريق، والأمن في السير؛ ثمرة صفاء منهج التلقي من الوحي في مرحلة المهد والتكوين، إذ يمثل هذا المفهوم جزء ًا من تحقيق مفهوم آيات الاعتصام، ويبرز هذا المفهوم بجلاء؛ حينما منع النبي -عليه الصلاة والسلام- الصحابة أن يكتبوا عنه غير القرآن، ومع أن الصحابة -رضوان الله عليهم- هم أفهم الناس وأعرف الناس بعد الرسول -عليه الصلاة والسلام- بالوحي، ومع هذا لم يجعلهم يكتبوا غير القرآن، حتى لا يختلط في غضون التنزيل بغيره، بل منعهم من تدوين سنته -عليه الصلاة والسلام- وهو يعد من مصادر التلقي، بعد القرآن الكريم- وإن كانت الأمة أجمعت بعد ذلك على كتابة غير القرآن - فكيف بعيره من الثقافات، وهذا يمثل وقاية وتحصينًا لهذا الوحي، فقد روى أبو سعيد الخدري قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا تكتبوا عنى ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ... إلخ) . بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أرشد الناس إلى من يأخذوا عنه القرآن غضًا طريا كما أنزل، ليسلم لهم الفهم الدقيق، والمعرفة النافذة فقال: (خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وسالم مولى أبى حذيفة) .

المبحث الثاني

الاعتصام بالقرآن والتمسك به في منهج التطبيق والعمل

مرحلة العمل والتطبيق لكلام الله تعالى هي ثمرة للتمسك به في طور التلقي، وامتداد للمرحلة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت