عليكم آيات الله، وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان، وفيكم رسوله يبين لكم ما أنزل إليكم، ولكم في سنته وإخلاصه خير أسوة تغذي إيمانكم وتنير برهانكم، فهل يليق بمن أوتوا هذه الآيات، ووجد فيهم الرسول الحكيم الرءوف الرحيم أن يبتغوا أهواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، حتى استحوذ عليهم الشيطان، وغلب عليهم البغي والعدوان، وعرفوا بالكذب والبهتان؟ فالاستفهام في الآية للإنكار والاستبعاد ومن يعتصم بالله وبكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود. ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود فقد هدي إلى صراط مستقيم لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك، فلا تروج عنده الشبهات، ولا تروق في عينه الترهات).
إن التلقي من هذا الكتاب المنزل على نبي العالمين فيه غنية وكفاية عن غيره من ا الكتب والثقافات والعلوم، وإن كانت كتبًا سماوية.؟ نعم وإن كانت كتب سماوية كالتوراة وغيرها، فما بالك بكتب أرضية بشرية، فهي ابعد من أن ننظر إليها، فقد أنزل الله تعالى على محمد - عليه الصلاة والسلام - قوله:"أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) . وقد أورد القرطبي: أن هذه الآية نزلت من أجل أن قومًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب، وأورد حديثًا عن يحيى بن جعدة، أن ناسا من المسلمين أتوا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما رآنا ننظر فيها ألقاها، ثم قال: كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم، إلى ما جاء به غير نبيهم، إلى قوم غيرهم، فنزلت:"أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون"."
فالبعد عن القرآن جعل من الرسول -عليه الصلاة والسلام- يرفع الشكوى إلى رب العالمين من قومه لهجرهم تعلم هذا القرآن، وعدم التمسك به في العلم والعمل، وقد جاءت هذه الشكوى بقوله تعالى:"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" [الفرقان:30] .
وقد تحدث ابن القيم عن هذه الآية، و ذكر أنواعًا لهجر للقرآن الكريم من هذه الأمة، فذكر من أنواع الهجر: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، و هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. وفي الآية تحذير وزجر من عدم هذا تعلم هذا القرآن الكريم وسماعه والإيمان به والإصغاء إليه، وعدم التدبر والتفهم والمعرفة لما أراد رب العزة من منه؛ لأن العبد إذا تولد لديه التمسك بكلام خالقه وسيده، لا يصغي لغيره من الخطابات المرجفة، والأقوال المضللة.