إذ الاعتصام والتمسك بهذا القرآن يمثلان مفرق طرق لأبناء الأمة الإسلامية، يتحتم علينا أن ننظر كيف تعامل النبي -عليه الصلاة والسلام- مع هذا الوحي المنزل عليه من عند ربه -جل وعلا-، حينما جاءه أمر الله تعالى بالقراءة، ثم أمره بأن يتمسك بما يقرأ، فقال:"فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم"، قال ابن جرير في تأويل هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد -عليه الصلاة والسلام-: فتمسّك يا محمد بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك) ، وثم أمره ثالثةً بتبليغه لهذه البشرية، ويعلمه أصحابه -رضوان الله عليهم- فقال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ، لذلك كان -عليه الصلاة والسلام- يبدي حرصه الشديد على أن يكون الوحي هو المصدر الوحيد للتلقي والتعليم لأصحابه، وأمرهم أن يتمسكوا به دون سواه من الكتب السماوية المنسوخة -التوراة وغيرها-، وهذا ظاهر في طريقته ومنهجه -عليه الصلاة والسلام- ويدل هذا غضبه على عمر عندما رأى في يده صحيفة من التوراة، ثم قال: (والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي) .
فهذا منهج جلي وواضح للدعوة إلى التمسك بهذا المنبع الصافي في طور التلقي والتعليم، فإن تحصين الجيل وحصر هم على الوحي المنزل أثناء التلقي والتعليم يمثل أساسًا وحصنًا منيعًا من الابتداع في هذا الدين، فحينما نمعن النظر في سبب كثرت البدع والمحدثات؛ نجده نتيجةً لعدم تحصنهم بالوحي، ولاختلاط مناهج التلقي وعدم وحدة المصدر، وإن شئت فقرأ قول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين"،"وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم"ففي هذه الآيات الكريمات حذر الرب تعال من طاعة أهل الكتاب، والاقتباس من منهجهم وعقيدتهم التي هي مصدر الزيغ الضلال، وسببًا للتبديل والانحراف في منهج الوحي القرآني، إذ كيف يصوغ لمن وجد بين أيديهم هذه الآيات تتلى، وفيهم رسوله يبين لهم طريق الاستقامة؛ أن يلتمسوا الهدى من دين محرف، وأهله مغضوب عليهم، والبعض أضلهم عن طريق الهداية!! (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) ؟!، ثم بين أن الاعتصام والتمسك به سبحانه سبيل للهداية للطريق القويم.
قال محمد رضا عند قوله تعالى (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) ، (وكيف تكفرون بطاعتهم واتباع أهوائهم وأنتم تتلى