قبلها، فهي بمثابة مرحلة الرضاعة لا غنى عنها لجيل القرآن، حتى يدرك مدى أهمية العمل بهذا الوحي، وأثرَ التمسك والاعتصام بحبله لإقامة دين الله في الأرض، فالاعتصام بوحي الله المنزل مدار السعادة الدنيوية والأخروية، قال ابن القيم:"... ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين".
وفي المقابل جعل الله الشقاوة والخسران للذين يختارون الضلالة على الهدى، ونفى عنهم الهداية إلى الإيمان، قال تعالى:"أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين" [البقرة:16] . قال ابن جرير:"أخذوا الضلالة وتركوا الهدى".
وخسارتهم هذه الفادحة؛ جزاء تفلتهم من كلام رب العالمين، وعدم التمسك به؛ فأحرمهم الهداية والتوفيق، وإن كان سياق الآيات يتحدث عن المنافقين إلا أن القاسم المشترك بين الخاسرين هو اختيارهم طريق الضلالة ومجانبتهم طريق الهداية، ثم كيف لا يحرمهم من السعادة الدنيوية والأخروية، وقد بين ودعا في أكثر من آية إلى الاعتصام بحبله المتين، والاستمساك بعروته الوثقى؛ حتى يضمن الله للعبد النجاة من الفتن، والصفاء في الفهم، و السلامة بالصول، والظفر بسعادتي الأولى والأخرى، فها هو الرب تعالى يدعو إلى الاعتصام به بعد أن حكم وتوعد أهل النفاق والزنقة بأنهم في الدر الأسفل من النار، واستثنى منهم بقوله:"إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما" [النساء:146] . فالتوبة والصلاح والاعتصام والإخلاص هذه تجعلهم مع المؤمنين الذين رتب لهم الأجر العظيم والنعيم المقيم.
قال أبو جعفر في هذه الآية: (هذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم- في الآخرة، وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال:(وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا) .
وهنا دعوة أخرى من الرب يوجهها للناس بملازمة الإيمان، إذ الاعتصام بالله ثمرة للإيمان به سبحانه، فمتى عرف العبد حقيقة الرب تعالى وعبوديته، ورأى النور يتجلى له، وأن غاية هذا النور الرحمة والحصول على الفضل، وإنارة الطريق أمامه، لن يبقى إلا أن يعتصم العبد به، قال تعالى:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به"